يرى إرنست غيلنر أن الإسلام ليس مجرد عقيدة دينية تعيش
في ضمائر الأفراد فحسب، فهو نمط فريد وشامل من التنظيم الاجتماعي الذي يتغلغل في
كافة مناحي الحياة اليومية والسياسية، حيث يؤكد في أطروحته المركزية أن "الإسلام
مسودة لنظام اجتماعي. فهو يفترض وجود مجموعة من القواعد الأزلية والمنزلة، وهي
قواعد مستقلة عن إرادة البشر وتحدّد النظام الصحيح للمجتمع". إن هذه القواعد
الإلهية لا تترك مجالا حقيقيا للفصل بين ما هو ديني وما هو مدني في التصور
الإسلامي الأصيل، فهي تفرض تطبيقا متسقا ومنسجما في كل ممارسة اجتماعية، وبذلك
يبرز الإسلام كمنظومة تشريعية تتجاوز الفرد لتؤسس جماعة مؤمنة تخضع لقانون مكتوب
ومتاح للجميع دون حاجة لوساطة كنسية معقدة.
يركز غيلنر في تشريحه للحضارة الإسلامية على نظرية البندول
التاريخية التي تفسر الحراك الدائم بين نمطين دينيين متباينين، أحدهما حضري نخبوي
والآخر ريفي قبلي، حيث نجد أن الإسلام الحضري يميل دوما نحو التزمت والطهرية بينما
ينحو إسلام الزوايا والريف نحو الصوفية وتقديس الأولياء. ويشير غيلنر إلى أن هذا
التذبذب لم يكن عشوائيا، فقد كان هو المحرك الأساسي للتاريخ الإسلامي التقليدي عبر
القرون، إذ إن "الجماهير الجاهلة يجب أولا أن تقبل بعض الأفكار الذليلة
والمعروفة لقوى عظمى، قبل أن يوسعوا مفهومهم إلى الذات الكاملة التي فرضت النظام
على الطبيعة برمتها". وبالاستناد إلى عبقرية ابن خلدون يلاحظ غيلنر أن
القبائل في المجتمع التقليدي كانت تمتلك دوماً فائضا من القوة يتجاوز ما لدى
السلطة في المدن، وهو ما يعني أن نزوعهم الخاص نحو الاستجابة لنداءات إسلامية
طهرية وحماسية كان يمثل المحرك الفعلي للتغيير السياسي وإعادة تجديد الدول. إن هذه
الطبيعة الانقسامية للمجتمع القبلي التي تعتمد في جوهرها على العصبية والغزو
المستمر، هي التي كانت تضمن انتقال السلطة إلى دماء جديدة كلما ترهلت الحواضر وضعف
حكامها. فالدين هنا يعمل كعامل توحيد وتذويب للعصبيات المتفرقة تحت راية واحدة
صلبة وشرعية، ومنه يجعل من الحضارة الإسلامية بنية ديناميكية متجددة لا تعرف
السكون المطلق أو الموت السريري. هذا التحليل السوسيولوجي يكشف عن فهم غيلنر
العميق لآليات البقاء والاستمرار في المجتمعات الإسلامية القديمة، حيث تظل العقيدة
هي الضمانة الوحيدة للتماسك الاجتماعي في بيئة مضطربة. وبناء على ذلك، يرى غيلنر
أن الإسلام نجح في خلق توازن مدهش بين استقلالية الفرد وبين انضباطه تحت سلطة النص
المقدس الذي لا يملكه أحد بمفرده.
ومن أبرز السمات التي ميزت رؤية غيلنر هي إشارته إلى
غياب التنظيم الكنسي الهرمي والوسطاء الرسميين في الإسلام، الأمر الذي جعل العلاقة
بين الخالق والمخلوق مباشرة وقوية دون عوائق مؤسسية، إذ يرى أنه "هكذا لا
يوجد، من حيث المبدأ دعوة أو تسويغ لفصل داخلي للمجتمع إلى جزأين، أحدهما يكون
أقرب إلى الإله من الآخر". وهذا المبدأ المساواتي الجوهري هو ما منح الحضارة
الإسلامية مرونة فريدة في مواجهة التحولات الكبرى وقدرة على الصمود أمام رياح
التغيير العاتية.
تكتسب الطهرية الإسلامية أو ما يصفه غيلنر بالإسلام النصي
المعتمد على الكتاب والسنة، أهمية قصوى في فهم كيفية انتقال هذه الحضارة نحو عصر
الحداثة. فبينما واجهت حضارات وأديان أخرى صعوبات هائلة في التكيف مع العقلانية
الحديثة، وجد الإسلام في تراثه السلفي أداة فعالة للتطهير الثقافي والاجتماعي
تناسب الدولة الوطنية. ويؤكد غيلنر أن "العقيدة التي نادرا ما يتميز فيها
اللاهوت عن الشريعة والتي يكون الجزء الأساسي منها مقدساً، تتطلب نوعا من فصل مبني
من الداخل بين القوى". إن هذا التوجه النصي مكن النخب المسلمة من الحفاظ على
هويتها في مواجهة الهيمنة الاستعمارية الغربية، وذلك عبر العودة إلى الأصول النقية
التي تتوافق مع متطلبات البيروقراطية المنظمة. وبذلك لم يكن الإسلام بالنسبة
لغيلنر مجرد عائق أمام التقدم التقني، بقدر ما كان في الحقيقة جسرا ثقافيا متينا
سمح للمجتمعات بالدخول في العصر الحديث دون فقدان روحها.
يختلف الإسلام في جوهره البنيوي عن المسيحية التاريخية
التي اضطرت في بداياتها لتقديم تنازلات سياسية قاسية للقيصر، بينما ظل الإسلام
وفيا لشموليته المطلقة، حيث إن "الإسلام دين تمكن كليا من دمج وخلط
القوانين... بحيث تنتظم كل جوانب الحياة المدنية والسياسية على أساس القانون
الديني بدرجة ما". هذا الاندماج العضوي بين القانون والدين هو الذي جعل من
الصعب جدا علمنة المجتمعات الإسلامية بالأسلوب الغربي التقليدي. فقوة البناء
التشريعي الأصيل جعلت الدين هو المرجعية العليا التي لا يمكن تجاوزها بسهولة في أي
نقاش سياسي.
يرى غيلنر في دراسته المعمقة لمفهوم القومية أن التحول
نحو الثقافة العليا المكتوبة والمنظمة هو الميزة الأساسية للعصر الحديث، وأن
الإسلام النصي كان مهيأ بنيويا لهذا الدور. فالقومية في نظره ليست شعورا فطريا
أزليا، ولكنها نتاج حتمي لظروف اقتصادية واجتماعية تتطلب لغة وثقافة مشتركة
للإنتاج، وهو ما وفره الإسلام بوصفه ثقافة عليا قادرة على صهر الشتات القبلي.
ويشير الباحث الفضل شلق في قراءته لغيلنر إلى أن "عصر القومية قصير نسبيا،
وهو جاء متأخرا جدا. ولذلك يمكن القول إن القومية ليس لها جذور عميقة في النفس
الإنسانية". ومع هذا استطاع الإسلام أن يلعب دور الموحد القومي قبل ظهور
القوميات الحديثة من خلال تقديم هوية جماعية عابرة للحدود الضيقة. إن هذا الربط
الفريد بين العقيدة الدينية والانتماء القومي يفسر سر عدم ضعف الرابطة الدينية في
المجتمعات الإسلامية كما حدث في التجربة الأوروبية. فالدين في الشرق لم يعد مجرد
طقوس فردية، بل أصبح التعريف الجوهري للذات الوطنية التي منحت للحضارة الإسلامية
قدرة فائقة على مقاومة التفتت.
استلهم غيلنر بعض رؤاه الفلسفية من ديفيد هيوم في
دراسة الدور الاجتماعي للدين، حيث اعتبر أن المنهج التجريبي هو الأفضل لفهم هذه
الظواهر المعقدة. ويؤكد غيلنر في هذا السياق أن "النظرية المركزية التي نجدها
في ذلك الكتاب الرائع، وهي نظرية كبيرة العلاقة بالإسلام على وجه الخصوص".
وهذا الأمر يعكس البعد الفلسفي الرصين الذي انطلق منه في تشريح بنية المجتمع
المسلم وفهم توازناته الداخلية.
وعندما ننتقل إلى النموذج المغربي التطبيقي، يلاحظ
غيلنر أن التوتر التاريخي بين المخزن والقبائل كان هو الثابت الأساسي في حركة
الدولة وتوسعها. ويشير في تحليله لابن خلدون إلى أن "سكنى البدو لا يكون إلا
للقبائل أهل العصبية" وأن "العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما
في معناه". هذا الانقسام البنيوي لم يكن علامة ضعف في الحضارة الإسلامية، ولكنه
كان جزءا حيويا من نظام توازن القوى الذي سمح لها بالبقاء لقرون. فالعصبية القبلية
كانت ترفد المدينة بالدماء والروح القتالية كلما خبت نارها. إن القبيلة هنا هي
خزان القوة والمدد التاريخي للدولة الإسلامية في أوقات الأزمات الكبرى.
وتلعب الصوفية وتقديس الأولياء دورا محوريا في حياة البدوية،
وهو ما يطلق عليه غيلنر إسلام الزوايا الذي يلبي احتياجات القبائل بعيدا عن جفاف
فقهاء المدن. فبينما يمثل إسلام الحواضر القانون والصرامة، يمثل إسلام البوادي
الوساطة والبركة الروحية، وهو أمر اعتبره غيلنر ضروريا لاستقرار البناء الاجتماعي
الانقسامي. فالمقدس في هذا السياق الشعبي "يجعل هذه الأمور مبهجة وعيانية
وباذخة وذات سلطة، ولا يوجد شيء آخر غير ذلك يمكن توقعه". وهذه الازدواجية بين
إسلام الفقهاء وإسلام الأولياء هي التي منحت المجتمع المسلم قدرة هائلة على
التغلغل في مختلف الأوساط. فعندما تضعف الدولة المركزية، تبرز الزاوية كمركز بديل
للتحكيم والوساطة، ومن ذلك يتم الحفاظ على كينونة المجتمع من الانهيار التام.
وبذلك تظل الحضارة الإسلامية قادرة على إعادة إنتاج نفسها من الداخل بمرونة مذهلة.
ويتوقع غيلنر في استشرافه للمستقبل أن الإسلام سيظل
القوة الأيديولوجية المهيمنة، نظرا لقدرته العالية على التوافق مع الحداثة دون
خسارة الهوية. ويرى أن "الإسلام سيظل مرجعا وحيدا وموحدا وغياب تعدد لغات،
لكن لا تصاحبه أي سيطرة لجهة على الأخرى". إذ أن هذه الوحدة الثقافية النصية
هي التي تمنحه حصانة طبيعية ضد التفكك الأيديولوجي الذي أصاب العالم الغربي.
وختاما، يمكن القول إن رؤية إرنست غيلنر للحضارة
الإسلامية تتسم بتقدير عميق لمنطقها الداخلي وقدرتها الفائقة على الصمود في وجه
التحولات الكونية الكبرى. فهو يرى الإسلام الدين الوحيد الذي لم ينحن مطلقا أمام
موجة العلمنة الكاسحة، وإنما استطاع أن يستوعب أدواتها لتقوية بناءاته الذاتية
وترسيخ حضوره العالمي. فالإسلام يمثل تحديا صارخا للنظريات الغربية التي تفترض
تراجع الدين مع التقدم الصناعي، حيث أثبت أنه يمكن للتدين أن يزدهر في قلب
الحداثة. كما يؤكد غيلنر بوضوح أن "هذا النموذج ليس إسلاميا بالضرورة: فهو
يظهر كما لو كان جوهريا في هذا النوع من البيئة".
إن الحضارة الإسلامية عبر توازنها الدقيق بين النص
المقدس والوساطة الروحية، قدمت نموذجا إنسانيا فريدا استعصى على الذوبان القسري.
وبفضل هذا الترابط الجوهري بين العقيدة والسياسة، فقد حافظ المجتمع المسلم على
نواته الصلبة رغم كل العواصف التاريخية التي مرت به. وفي هذا الإطار، يتركنا غيلنر
أمام تساؤل فلسفي عميق حول سر ديمومة هذه الحضارة التي ترفض التخلي عن سماء
قوانينها الإلهية. إنها قصة مجتمع يرى في القانون المنزل ضمانة حقيقية للحرية
والعدالة والمساواة البشرية. وبذلك يظل فكر غيلنر منارة هامة لفهم أسرار القوة
الكامنة في البناء الاجتماعي والثقافي للحضارة الإسلامية المعاصرة.
المصدر المعتمدة
- غيلنر، إرنست. (2005). مجتمع
مسلم، ترجمة أبو بكر أحمد باقادر، مراجعة رضوان السيد. بيروت، لبنان: دار
المدار الإسلامي.
- شلق، الفضل. (2015). قوميات بلا أمم وأمم بلا قوميات: نظرة في أنثروبولوجيا غيلنر وفلسفته. موقع الإلكتروني: https://hekmah.org/%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%A3%D9%85%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق