الاثنين، 26 سبتمبر 2022

مراجعة لكتاب "عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل

 

     صدر في عام 2022 عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت، كتاب مترجم بعنوان: عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل، للكاتب والفنان الإنجليزي جيمس برايدل، وهو كاتب متخصص في النظريات حول العالم الحديث. الكتاب من ترجمة الأستاذ مجدي عبد المجيد خاطر. وقد جاء الكتاب مشتملا في بدايته على الفهرس الذي يتضمن عشرة فصول: (صدع عميق ـ حوسبة ـ مناخ ـ حساب ـ تعقيد ـ إدراك معرفي ـ تواطؤ ـ مؤامرة ـ تزامن ـ سحابة)، إلى جانب هوامش في آخر الكتاب.

     يبحث الكتاب في مدى فقدان الناس للتواصل في العالم الواقعي بسبب التقدم والتطور الواسع في التكنولوجيا. ويظهر برايدل أن معظم الناس يعتقدون أن المعرفة حول العالم ممكنة من خلال المعلومات التي توفرها التكنولوجيا وشبكة الإنترنت. وهو يرى أن عالم البيانات الرقمية مليء بالمغالطات ونظريات المؤامرة وتزييف الحقيقة. وبالتالي غالبا ما يكون هناك صعوبة في تصديق المعلومات. كما يضيف الباحث الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في مراقبة الأفراد والجماعات، والتي ستؤدي حتماً إلى مشكلة هائلة في المستقبل.

     يظهر برايدل ما يمكن أن تقوله لنا التقانة في حالة وجود أزمة طارئة، فقد غير التسارع التقني إبان القرن الماضي كوكبنا ومجتمعاتنا، كما عملت على تغيير طباعنا، لكن مشكلتها أنها أخفقت في تغيير فهمنا لتلك الأشياء. علاوة على ذلك، أننا أصبحنا عاجزون عن الانسلاخ منها، أو التفكير من دونها. ويبين برايدل أنه منذ بداية ظهور أجهزة الحوسبة، فإن تلك الأجهزة كانت تحاول إخفاء أغراضها الحقيقية، علاوة على فشلها في التمييز بين الواقع والمحاكاة، وتأثير الحوسبة على تفكيرنا وتغلغلها في حياتنا اليومية، مما قد ينتج عنها تداعيات شديدة على البشر الذين يستخدمونها.

     يكشف برايدل، على سبيل المثال، مجموعة من النقاشات الناتجة عن التطور الأولي للحساب كأداة للتنبؤ بالطقس والتحكم فيه، وتأثير تغير المناخ على التقنيات الجديدة، مثل انخفاض قوة وفعالية شبكة الواي فاي wifi بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وهو ما يؤثر على نقل البيانات وتخزينها. إلى جانب تأثير تراكم البيانات المغلوطة في تغير المناخ بسبب سعي الإنسان للحوسبة وتحويل كل الوقائع الاجتماعية والطبيعية إلى بيانات رقمية، وهو ما أدى إلى ظهور عواقب خارجة عن سيطرته والتي لا يمكن التكهن بها في المستقبل.

     وإذا كانت مدرسة فرانكفورت المبكرة تقدم نقدًا للعقلانية الأداتية للمجتمع الجماهيري، فإن حجة برايدل في "العصر المظلم الجديد" ليست أقل من مشروع مماثل للعصر "الشبكي". حيث تنص أطروحة برايدل على أن أمراضنا الاجتماعية المعاصرة من تغير المناخ، إلى نظريات المؤامرة، والأزمات المالية، والمراقبة الجماعية، وحتى بعض مقاطع الفيديو المزعجة على موقع اليوتوب تشكل عصرًا جديدًا مظلمًا قادمًا، حيث إن قدرتنا التكنولوجية على الإنتاج ومعالجة كميات هائلة من المعلومات لا يقابلها زيادة في المعرفة أو فهم العالم.

     إن الظلام الذي يشير إليه برايدل، هو ما يميز التفكير الحسابي، وهو تفكير يدل على عجز واضح عن الرؤية بوضوح، والتصرف بشكل هادف، وبطريقة عادلة في العالم. وعليه، فإنه إذا تم الاعتراف بهذا الظلام، فإنه يمكننا السعي وراء طرق جديدة للرؤية بنور آخر. حيث نحتاج إلى أشكال من "المعرفة النظامية" على المعرفة الكلية التي تقوم على الحساب فقط، حيث نحتاج إلى أنماط من اللغة والاستعارة التي تسمح لنا "بالتفكير دون المطالبة، أو حتى السعي إلى الفهم الكامل"، من أجل التعامل مع عالم غير قابل للحساب.

     كما أن برايدل بارع بشكل رائع في إبراز مجموعة من مظاهر العصر المظلم الجديد في حالات معينة، مثل تسريب البيانات من مواقع المواعدة التي تركز على الخيانة الزوجية، أو الأزمات المالية الصغيرة التي تنشرها الصحافة بغرض تضخيمها. وبالتالي، فإن كل تلك المظاهر تؤدي إلى حساسية تجاه "الغموض وعدم اليقين في كل الأشياء". إنه التوجه الرئيسي الذي يميز عالمنا اليوم.

     وعليه، يدعو برايدل إلى إعادة التفكير فيما نعرفه، وكيف نعرفه، وما لا نستطيع أن نعرفه، من خلال التعاون والإشراف واستيعاب الخيارات الواعية بشأن المعلومات والبيانات التي تسبب أقل ضررا في الحاضر وتتحمل المسؤولية تجاه الأجيال القادمة، بشرط ألا تفترض أنه يمكن لها التنبؤ والمراقبة، أو أن تقدم وعودا وهمية، مثل قدرتها على المعرفة أو التحكم. نظرا لأن الحاضر هو دائما حيث نعيش ونفكر ولا سبيل إلى معرفته.

     في الأخير، فإن الكتاب يدخل ضمن الأدبيات المتزايدة حول الفكر السياسي والنظريات التي تهتم بموضوع التقنيات الشبكية، فهو يعد من أهم المساهمات المحفزة للتفكير في مآل المجتمعات، وله أسئلة وافتراضات قوية لتوجيه النظرية السياسية المعاصرة.



الكتاب

جيمس برايدل، عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل، ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، الكويت ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: سلسلة عالم المعرفة، العدد 497، أغسطس 2022. عدد الصفحات: (311)، (ISBN 978-99906-0-715-4).


الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022

القدوة في تعزيز النجاح عند الشباب

 

     تعتبر القدوة "الإيجابية" نموذج مثالي للشباب، لأنها تلهمهم لكي يعيشوا حياة مليئة بالنجاح والعطاء والسعادة. فالقدوة تلعب دورا مهما في أنها تمنح للشباب معنى ودلالة لحياتهم. إلى جانب أنها تعزز من تطورهم على المستوى الفكري والعملي، مثل الحد من البطالة، وتحسين الاستقرار المالي وتعزيز التنمية المستديمة.

     وفي رأينا، فإن القدوة تدفع الشباب إلى العيش بطريقة يتمتع فيها الشخص بإدراك واضح لما هو مهم وضروري في حياته. فهي تمكن الشباب من العيش بنزاهة، وتفاؤل، وتصميم، من أجل القيام بأشياء إيجابية تؤدي إلى إحداث فرق في حياتهم اليومية. وعليه، فإن تشجيع الشباب على التفكير في القدوة يمكن أن يدفعهم إلى العمل من أجل تحقيق رهاناتهم وأهدافهم. وبالتالي من الضروري على المؤسسات الاجتماعية، مثل الأسرة والمدرسة والإعلام أن تساهم بدورها في إبراز نماذج تلعب دورا مهما في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن أهم عناصر القدوة وصفاتها هي كالآتي:

1. القدرة على الإلهام: يفترض في نموذج القدوة، أن يكون قادرا على التأثير في الآخرين وإلهامهم، مثل الأساتذة الذين يساعدون طلابهم. ذلك لأن الشباب يعجبون كثيرا بالأشخاص الذين يتصرفون بطرق تدعم معتقداتهم والذين يساعدون في التغيير الاجتماعي.

2. القدرة على التغلب على العقبات: يسمح النموذج الإيجابي للقدوة على تغيير فكرة أنه ليس هناك شيء اسمه المستحيل. فالتغلب على العقبات يساعد في غرس فكرة عدم الاستسلام عند الشباب، وهو ما يضمن نجاحهم.

3. الالتزام نحو المجتمع: إن النماذج التي تظهر التزاما نحو المجتمع، يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي على الشباب في تحقيق التغيير الإيجابي، من خلال تقديم المساعدات للناس بناء على احتياجاتهم بغض النظر عن خلفياتهم أو معتقداتهم أو ظروفهم.

     في الختام، فإن فكرة إلهام الشباب من خلال تعريضهم لنماذج يحتذى بها هي فكرة شائعة على الإطلاق. ومع ذلك، قمنا بعرض أهم العناصر التي يجب أن تميز القدوة الإيجابية، بشكل منهجي وموجز، وهذه العناصر جد مفيدة ويمكن توظيفها من أجل تعزيز النجاح عند الشباب.

الأحد، 12 ديسمبر 2021

إعادة تجميع الاجتماعي

 

 

يستهل الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور (Bruno Latour) سفره المعنون "إعادة تجميع الاجتماعي" (Reassembling the Social) بجدل أصيل يقلب موازين علم الاجتماع المألوفة رأسا على عقب. لقد ألف أهل الاجتماع أن يقرنوا لفظة "الاجتماعي" بضرب من المادة قائمة بذاتها، عالم منفصل له قوانينه الخاصة وقواه الخفية التي تسير الفاعلين وتصوغ أفعالهم. يرى لاتور في هذا المسلك وهما عظيما ومأزقا عويصا أفضى بعلم الاجتماع إلى طريق مسدود. إن كلمة "اجتماعي" في نظره لا تدل على ماهية ثابتة أو جوهر قار، إنما هي اسم لحركة وتَحالُف وترجمة بين كيانات متباينة في الأصل. إنها لا تصف شيئا محددا كخروف أسود بين خراف بيضاء، بل هي نمط من الاتصال والتشابك بين أشياء ليست هي في ذاتها اجتماعية (Latour, 2005, p. 5).

لقد انبثق عن هذا الفهم ضربان من علم الاجتماع، لكل منهما وجهته ومسلكه. أحدهما، وهو الذي ساد دهرا طويلا، يفترض وجود كيان شامل يسمى المجتمع، يحيط بالفاعلين ويعمل كخلفية أو سياق لأفعالهم. في هذا المضمار، يغدو الفاعلون مجرد مخبرين أو دُمى تحركها خيوط القوى الاجتماعية الخفية التي لا يراها سوى عالم الاجتماع الفطن. أما الضرب الآخر، وهو الذي يدعو إليه لاتور ويفصل فيه القول، فيقترح دربا مغايرا تماما، دربا شاقا يقتضي من الباَحِث أن يقتفي أثر الفاعلين أنفسهم في غدوهم ورواحهم دون أن يفترض مسبقا وجود مَقام يعلوهم أو بنية تحتضنهم. في هذا الدرب الجديد، لا يعود الاجتماعي مادة صماء أو مجالا مغلقا، بل يصبح مسارا من الترابطات التي تتشكل وتتغير باستمرار.

يجد لاتور جذور رؤيته في فكر الفيلسوف غابرييل تارد (Gabriel Tarde الذي نازل في زمانه إميل دوركهايم (Émile Durkheim) وغلبه الأخير. لقد نادى تارد بأن الاجتماعي ليس حكرا على البشر، وأن كل شيء في الوجود هو مجتمع. يقول تارد في عبارة تكشف عن عمق بصيرته:

"ولكن هذا يعني أن كل شيء هو مجتمع وأن كل الأشياء هي مجتمعات. ومن اللافت للنظر أن العلم، بتسلسل منطقي لحركاته السابقة، يميل إلى تعميم فكرة المجتمع بشكل غريب. إنه يتحدث عن مجتمعات خلوية، فلماذا لا تكون هناك مجتمعات ذرية؟ ناهيك عن مجتمعات النجوم، والأنظمة الشمسية. يبدو أن كل العلوم محكوم عليها بأن تصبح فروعا لعلم الاجتماع" (Latour, 2005, p. 14).

تلك الرؤية التاردية هي المنطلق الذي يبني عليه لاتور صرح نظريته. إن مهمة عالم الاجتماع، وفقا لهذا المنظور، ليست الكشف عن "المجتمع" الخفي، بل تتبع المسارات الدقيقة التي من خلالها تتجمع الكيانات المختلفة، بشرية كانت أم غير بشرية، لتشكل تجمعات مؤقتة وهشة. هذا التتبع هو ما يسميه لاتور "علم اجتماع الترابطات" (sociology of associations).

عندما نشرع في هذا التتبع، سرعان ما نكتشف أن الفعل الإنساني ليس صافيا ولا بسيطا. إنه دوما فعل مُستولى عليه، فعل يتقاسمه العديد من المشاركين. فالفاعل البشري لا يتحرك بمفرده في فراغ. إن الأفعال تُقترض وتُوزع وتُترجم عبر شبكة واسعة من الكيانات الأخرى. يقول لاتور إن كلمة "فاعل" (actor) نفسها تشير إلى أن الأمر ليس واضحا أبدا بشأن من وماذا يفعل حين نفعل نحن، تماما كما أن الممثل على خشبة المسرح لا يكون وحيدا أبدا في أدائه (Latour, 2005, p. 46). إن كل فعل هو عقدة معقدة، تتقاطع فيها إرادات ودوافع وأشياء لا حصر لها.

هنا يكمن أحد أكثر جوانب فكر لاتور إثارة للدهشة، وهو إصراره على أن الأشياء لها فاعلية. إن المطرقة التي تدق المسمار، ومُبطئ السرعة الذي يجبر السائق على التمهل، والقفل الذي يحمي الدار، كلها فواعل تشارك في صياغة مسار الفعل. هذه الكيانات غير البشرية ليست مجرد أدوات خاملة في أيدي البشر، بل هي مشاركة فعالة تمنح الترابطات الاجتماعية ديمومتها وصلابتها. إن قوة علاقة اجتماعية لا تنبع من طبيعتها "الاجتماعية" الخالصة، التي هي في الأصل هشة وعابرة، بل من قدرتها على حشد جيش من الحلفاء غير البشريين الذين يثبتونها ويوسعون نطاقها. من دون هذه الأشياء، ستذوي الروابط الاجتماعية وتتلاشى بسرعة.

إن إدخال غير البشر في صلب التحليل الاجتماعي يغير من طبيعة علم الاجتماع نفسه. فلا يعود بوسعنا أن نفصل بين عالم "اجتماعي" رمزي وعالم "مادي" موضوعي. لقد أدى هذا الفصل المصطنع إلى إفقار فهمنا للواقع، وجعلنا عاجزين عن رؤية الكيفية التي تتشكل بها التجمعات من خلال نسج البشر وغير البشر في نسيج واحد متصل. إن المهمة التي يطرحها لاتور هي مهمة شاقة ومضنية. إنها تتطلب من الباحث أن يتخلى عن القفزات السريعة نحو التفسيرات الجاهزة والسياقات الشاملة، وأن ينزل إلى مستوى الأرض ليتبع بصبر وأناة الخيوط الدقيقة التي ينسجها الفاعلون، بشرا كانوا أم أشياء. إنها دعوة إلى "علم اجتماع بطيء" (slowciology علم اجتماع يجد متعته في تتبع المسارات المتعرجة للترابطات بدلا من رسم خرائط وهمية لعوالم غير موجودة.

وهكذا، فإن "إعادة تجميع الاجتماعي" ليس مجرد دعوة لإضافة الأشياء إلى قائمة الفاعلين الاجتماعيين. إنه مشروع أعمق وأشمل يهدف إلى تفكيك ثنائيات قديمة مثل الطبيعة والمجتمع، والفاعل والبنية، والمحلي والعالمي. إنه محاولة لرسم طوبوغرافيا جديدة للوجود، طوبوغرافيا مسطحة لا توجد فيها مستويات عليا وأخرى دنيا، بل فقط شبكات من المواقع المتصلة عبر قنوات ووسائط متنوعة. إنها رؤية تجعل من الاجتماعي نتيجة لا منطلقا، أثرا لا سببا، رحلة مستمرة من التجميع والترجمة لا وطنا قارا ومستقرا.

 

  • Latour, B. (2005). Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press.

الأربعاء، 2 يونيو 2021

الهيمنة الذكورية



يستفتح بيار بورديو (Pierre Bourdieu) القول في مصنفه عن الهيمنة الذكورية بتمحيص النظر في بنية الاجتماع التي أرست دعائمها على تفريق أزلي بين الذكر والأنثى. ويتجلى هذا النسق للعيان كأنه قائم على طبائع الأشياء ذاتها ومستقر في صميم الأجساد. يغوص بورديو في غياهب هذا النظام ليكشف عن عمل التاريخ الدؤوب الذي يطبع في اللاوعي ترسبات بناه التاريخية في هيئة ترسيمات لا واعية.

يُبين أن العالم الاجتماعي يشيد الجسد الممتثل اجتماعيا على نحو يوافق مبادئ رؤية أسطورية للعالم. ترسخ هذه الرؤية في الأجساد فروقات واختلافات تتماهى مع التقسيم الجنسي للعمل. وتتجلى قوة النظام الذكوري في قدرته على الاستغناء عن التبرير فهو يفرض نفسه كأنه محايد. إن النظام الاجتماعي برمته يؤسس على المصادفة التي تتأسس عليها الهيمنة الذكورية. يطرح مثال مجتمع القبائل (Kabyle) في الجزائر شاهدا على هذا البناء. ففي هذا المجتمع يظهر التقسيم بين الجنسين كأنه نظام طبيعي ومنطقي يمس كل شيء.

إن التقسيمات التي تحكم عالم القبائل تظهر في أزواج من المتعارضات مثل فوق تحت وخارج داخل وجاف رطب. وكل هذه التقابلات تنظم الفضاء والزمان والأنشطة اليومية. يظهر هذا النسق في تنظيم البيت القبيلي فالقسم المخصص للرجال مضيء ومشرف ومعاكس للقسم المخصص للنساء والأطفال والحيوانات وهو مظلم ورطب. يقول بورديو "إن قوة النظام الذكوري تترامى فيه أمراً يستغني عن التبرير ذلك أن الرؤية مركزية الذكورة تفرض نفسها كأنها محايدة وإنها ليست بحاجة إلى أن تعلن عن نفسها في خطاب يهدف إلى شرعنتها" (بورديو، 2009، ص 27).

تترسخ هذه الهيمنة عبر ما يدعوه بورديو العنف الرمزي. هو عنف لطيف غير محسوس وينال قبولاً من الذين يقع عليهم. فالمرأة في مجتمع القبائل تتبنى هذه الرؤية للعالم وتنظر إلى نفسها من خلال التصنيفات التي أعدها الرجل. وهذا الاستدماج للهيمنة يجعل النظام الاجتماعي يبدو كأنه أمر طبيعي وأزلي. إن الجسد الأنثوي نفسه يبنى بوصفه كائنا مدركاً ومصمماً على أن يكون تابعا. ويظهر ذلك في هيئة الجسد وفي طريقة المشي والنظر.

تستند هذه الرؤية الأنثوية للرؤية الذكورية على بنية اجتماعية عميقة. تقول فيرجينيا وولف (Virginia Woolf) في روايتها غرفة تخص المرء وحده (A Room of One's Own) إن النساء يخدمن لقرون طويلة كـ "مرايا تملك قدرة سحرية ولذيذة على عكس صورة الرجل بحجم مضاعف عن حجمه الطبيعي". تستخدم المرأة هذه الرؤية في تعاملها مع جسدها. فهي تسعى إلى أن تكون موضوعا للرغبة الذكورية.

يؤدي هذا الاستدماج العميق للبنى الاجتماعية إلى ما يسميه بورديو بالهابتوس (Habitus) وهو نسق من الاستعدادات المكتسبة التي توجه أفعال الأفراد وتصوراتهم. يصبح الهابتوس طبيعة ثانية. وهو ما يفسر كيف أن الهيمنة الذكورية تستمر وتُعاد إنتاجها دون الحاجة إلى قسر ظاهر أو إكراه بيّن. فالنساء والرجال على السواء يسهمون في إعادة إنتاج هذا النظام من خلال ممارساتهم اليومية التي تبدو لهم طبيعية ومنطقية. إن الجسد هو مستودع للتاريخ المنسي. وهو يحمل في طياته آثار البنى الاجتماعية التي شكلته.

يقع استدماج الهيمنة في صلب ما يسميه بورديو العنف الرمزي. وهو ذلك العنف الذي يمارس على فاعل اجتماعي بموافقته وتواطئه. فالهيمنة الذكورية لا تفرض نفسها بالقوة المادية وحدها. إنها تمارس فعلها من خلال الإقناع الصامت للبنى المتجذرة في الأجساد وفي العقول. فيصبح الجسد المهيمَن عليه شاهدا على قبوله بهذه الهيمنة. وينتج عن هذا القبول إحساس بالخضوع والانقياد يظهر كأنه فطرة وطبيعة.

المرجع المعتمد

بورديو، بيار. (2009). الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة.

 

 

 


 

 

الثلاثاء، 19 يناير 2021

قراءة في كتاب مدخل إلى علم اجتماع العلوم، تأليف ميشال دوبوا

 

ينبري الكاتب ميشال دوبوا (Michel Dubois) مؤلفه المعرفي "مدخل إلى علم اجتماع العلوم" بتقديم يضع المفاتيح في يد القارئ، سواء أكان ضليعا أم غرا، لإيلاف هذا الحقل المعرفي الوليد. إن علم اجتماع العلوم فرع حديث النشأة، غض الإهاب، لم ترسخ أواصره إلا في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وهذا ما يجعل رسم تخومه أمرا عسرا. فهذا العلم يتقاطع في اهتماماته مع حقول معرفية شتى، كفلسفة العلوم وتاريخها، ما يصعّب إيجاد منهجية نظرية وحيدة له. ويبدو أن الصعوبة الكبرى التي تعترض سبيل هذا العلم هي في "تصور طبيعة هذا العلم ونظره، وهي صعوبة مثلوثة: المطلوب أولاً أن تكون في مستوى تمثل التعدد الداخلي صلب علم اجتماع العلوم من دون الوقوع في عيب رؤية تجزيئية" (دوبوا، 2008، ص. 16).

ينبسط الكتاب في خمسة فصول متتابعة؛ يطوف الفصل الأول منها على المقاربات السوسيولوجية للعلم، فيستعرض أصولها ومنظوراتها ومجادلاتها الكبرى. ثم يتبعه الفصل الثاني الذي يتناول بالبحث أسس الجماعة العلمية ومنظوراتها السوسيولوجية، في حين يغوص الفصل الثالث في دراسة التراتب والتنظيم الاجتماعي للعمل والشبكات العلمية. أما الفصل الرابع فيدور حول مفهوم الاصطلاح والنظرية السوسيولوجية، وتختتم الرحلة بالفصل الخامس الذي يعالج الخيارات والنظريات والاستدلالات العلمية.

في أصول المقاربات السوسيولوجية

تنطلق المقاربة السوسيولوجية للعلم من مجادلات قديمة، فتجد أصولها الأولى عند إميل دوركهايم (Émile Durkheim) وصاحبه مارسيل موس (Marcel Mauss) اللذين بحثا في "الأشكال الأولية للتصنيف" وربطاها بالبنى الاجتماعية. فقد رأيا أن طريقة تنظيم المعرفة لدى الأقوام الغابرة تعكس بصورة جلية تنظيم مجتمعاتهم. ففي دراستهما لقبائل الزونيس (Zunis) بأمريكا الشمالية، وجدا أنهم يصنفون الموجودات كافة في نسق قوامه القرابة، ويوزعون أشياء الكون على سبع مناطق هي الشمال والجنوب والشرق والغرب والسمت والنظير والوسط (دوبوا، 2008، ص. 30). هذا التوزيع لا يطابق تماما ما لاحظه دوركهايم وموس لدى شعب البويبلو (Pueblo)، ما يشي بأن العلائق بين التصنيف والمجتمع ليست بالغة التمام.

ومن جهة أخرى، نجد مقاربة اشتراكية تأثرت بفكر كارل ماركس (Karl Marx)، بزعامة كل من بوريس هسن (Boris Hessen) وجون برنال (John Bernal). فقد زعم هسن في عرض قدمه بالمؤتمر الدولي الثاني حول تاريخ العلوم عام 1931 أن أعمال إسحاق نيوتن (Isaac Newton) الجبارة، وخصوصا كتابه "المبادئ" (Principia)، إنما هي استجابة للمهمات الاقتصادية والتقنية التي فرضتها البرجوازية الصاعدة آنذاك (دوبوا، 2008، ص. 33). وقد نحا برنال المنحى ذاته، فطرح في كتابه "الرابط الاجتماعي في العلم" (The Social Relation in Science) فكرة أن العلم يجد تعبيره الأقوى في مؤلف برنال الاجتماعي للعلم المنشور عام 1939.

مؤسسة العلم الاجتماعية عند ميرتون

يبرز اسم روبرت ك. ميرتون (Robert K. Merton) كأول عالم اجتماع أمريكي حاز على الامتياز في هذا الميدان، فقد أسس ما عرف لاحقا بـ "المدرسة الميرتونية". ولد ميرتون في فيلادلفيا (Philadelphia) عام 1910 وتخرج من جامعة هارفارد (Harvard) عام 1936. وفي منشوراته الأولى بين عامي 1938 و1942، أرسى دعائم دراسة سوسيولوجية للعلم ربطت بين الطهرانية (Puritanism) والعلم والديمقراطية الليبرالية في إنجلترا القرن السابع عشر. والسؤال الذي أقض مضجع ميرتون هو: "من أين أتت الثورة العلمية والتقنية التي عرفتها إنجلترا في نهاية القرن السابع عشر؟ أو أيضاً: لماذا كان ممكناً أن نلاحظ بواسطة مؤشرات مختلفة نمواً واضحاً في الاهتمام بالعلم خلال تلك الفترة وفي ذلك المكان المحدد؟" (دوبوا، 2008، ص. 50). وقد استنتج أن القيم الثقافية السائدة في المجتمع والعلائق بين العلم والقطاعات الاقتصادية والعسكرية من جهة، وبين العلم والنمو السكاني من جهة أخرى، قد أثرت في هذا النماء.

إن الأطروحة التي دافع عنها ميرتون تذكرنا بالنظرية الشهيرة لماكس فيبر (Max Weber) والمتعلقة "بالأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، وقد استلهم ميرتون عمله من هذه الفكرة (دوبوا، 2008، ص. 51). وقد وضع ميرتون أربعة مقتضيات تشكل "خُلق العالم" (ethos) وهي: العمومية والمشاعية والنزاهة والشك المنظم (دوبوا، 2008، ص. 134). هذه المقتضيات هي التي تؤسس للجماعة العلمية وتضمن استقلاليتها ونزاهتها في طلب المعرفة.

الجماعة العلمية وبنية الثورات

بعد ميرتون، جاء توماس كون (Thomas S. Kuhn) ليغير وجه تاريخ العلوم وفلسفتها بكتابه "بنية الثورات العلمية" (The Structure of Scientific Revolutions) الصادر عام 1962. قدم كون مفهوم "الباراديغم" (Paradigm) الذي لقي رواجاً منقطع النظير. والباراديغم عند كون هو "مجموعة أمثلة معترف بها بأنها عمل علمي وهي أمثلة تشتمل على قوانين ونظريات وتطبيقات وعدة (Dispositif) تجريبية تقدم "نماذج" تولد تقاليد محددة ومتماسكة في البحث العلمي" (Kuhn, 1969, p. 41). فالعلم العادي يسير في فلك باراديغم سائد، حتى تظهر الشذوذات (Anomalies) التي لا يستطيع الباراديغم القائم تفسيرها، فتحدث أزمة تؤدي إلى ثورة علمية وولادة باراديغم جديد. هذه النقلة من باراديغم إلى آخر لا تخضع للمنطق وحده، وتدخل فيها عوامل اجتماعية ونفسية كثيرة.

إن الجماعة العلمية عند كون هي التي تحمل الباراديغم وتعمل وفقه، وهي جماعة من العلماء يتشاركون في مجموعة من القواعد والمعايير. وقد أثرت أفكار كون تأثيراً عميقاً في علم اجتماع العلوم، إذ فتحت الباب واسعاً أمام دراسة السياقات الاجتماعية التي تحكم إنتاج المعرفة العلمية، ودفعت الباحثين إلى التساؤل عن أسباب نجاح السوسيولوجيا لنظرية كون.

البرنامج القوي وما بعده

في سبعينيات القرن العشرين، ظهر في جامعة أدنبره (Edinburgh) ما عرف باسم "البرنامج القوي" (Strong Programme) في سوسيولوجيا المعرفة العلمية، وكان من أبرز رواده ديفيد بلور (David Bloor) وباري بارنز (Barry Barnes).وهذا البرنامج يقوم على أربعة مبادئ هي: السببية والحيادية والتناظر والانعكاسية (دوبوا، 2008، ص. 79). فهو يدعو إلى دراسة المعتقدات العلمية الصحيحة والخاطئة على حد سواء، باحثاً عن الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى تبنيها.

وقد أدى هذا التوجه إلى ظهور دراسات مخبرية (Laboratory studies) كثيرة، حيث انكب علماء الاجتماع على دراسة العلماء في مختبراتهم كما يدرس علماء الأنثروبولوجيا القبائل البدائية. ومن أبرز هذه الدراسات عمل برونو لاتور (Bruno Latour) وستيف وولغار (Steve Woolgar) في كتابهما "حياة المختبر: البناء الاجتماعي للوقائع العلمية" (Laboratory Life: The Social Construction of Scientific Facts). فقد خلصا إلى أن الوقائع العلمية لا تكتشف، وإنما "تبنى" من خلال عمليات التفاوض والتسجيل والتجادل داخل المختبر. إن الواقعة العلمية هي نتاج شبكة معقدة من الفاعلين البشرين وغير البشرين.

هذا التناول يفتح الباب على مصراعيه أمام النسبية، وهو ما أثار مجادلات حامية الوطيس حول مكانة العلم وموضوعيته. وقد حاول لاتور نفسه أن يتجاوز هذا المأزق من خلال تطوير "نظرية الفاعل – الشبكة" (Actor-Network Theory) التي تسعى إلى تتبع كيفية بناء الشبكات وتثبيتها.

إن كتاب دوبوا يرسم خريطة ثرية ومعقدة لدروب علم اجتماع العلوم ومسالكه المتشعبة. فهو يطوف بالقارئ من النظريات المؤسسة الكبرى إلى الدراسات المجهرية الدقيقة للحياة اليومية في المختبرات العلمية. وهذا السفر يكشف عن أن العلم، الذي طالما نظر إليه كحصن منيع للعقلانية والموضوعية، هو في الحقيقة نشاط إنساني بامتياز، لا ينفك عن سياقاته الاجتماعية والثقافية والتاريخية.

 

الأحد، 20 ديسمبر 2020

في سوسيولوجيا الرقمنة

 


يدرك الجميع التحول الذي نعيشه اليوم، فنحن جميعا في قلب مجتمع رقمي تغلغلت تقنياته في حياتنا بشكل مفرط، لدرجة أنها لم تعد مجرد أدوات ولكنها أصبحت قوى خفية تشكل علاقاتنا الاجتماعية وحكوماتنا واقتصاداتنا بدقة متناهية، إذ تؤكد ديبورا لوبتون في أطروحتها الأساسية قائلة: نحن نعيش الآن في مجتمع رقمي. لقد كان للتقنيات الرقمية الجديدة تأثير عميق على الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والحكومة، والتجارة، والاقتصاد، وإنتاج المعرفة ونشرها. فلم يعد الأمر مقتصرا على استخدامنا للإنترنت، لكننا نتحول تدريجيا إلى موضوعات بيانات تراقب تحركاتها في المكان وعاداتها الشرائية وتواصلها الحميم سواء اخترنا ذلك أم لا. فهذا الواقع يفرض على السوسيولوجيا وضع التقنية في صميم انشغالاتها، فكل المواضيع الكلاسيكية من العائلة إلى الصحة والعمل والتعليم باتت مرتبطة بشكل لا مفر منه بالوسائط الرقمية التي تعيد تعريف كينونتنا البشرية.

إن سوسيولوجيا الرقمنة كفرع علمي لا تكتفي بدراسة كيف يستخدم الآخرون هذه التقنيات، فهي تمتد لتشمل نقد الممارسة الأكاديمية نفسها في ظل تحول الباحثين إلى فاعلين مرقمنين داخل مؤسسات التعليم العالي. وترى لوبتون أن علماء الاجتماع مطالبون بتطوير سوسيولوجيا حية تواكب سرعة تدفق البيانات الضخمة التي تديرها إمبراطوريات مثل جوجل وفيسبوك بكفاءة تفوق قدرات المؤسسات الأكاديمية التقليدية، حيث تقول: "يجب ألا يفكر علماء الاجتماع ويدرسوا فقط كيف يستخدم الأشخاص (الآخرون) التقنيات الرقمية، بل وأيضا كيف أصبحوا هم أنفسهم وبشكل متزايد (أكاديميين مرقمنين)". إن هذا التحول ليس مجرد خيار مهني، فهو ضرورة وجودية للدفاع عن شرعية التخصص ومنع دخوله في حالة من العجز المعرفي أمام التطورات التقنية المتسارعة.

وفي عمق هذه التحولات، تبرز الحميمية كقيمة يعاد بناؤها عبر نظام الفردانية الشبكية الذي جعل الفرد عقدة اتصال تدير شبكات مشتتة جغرافيا وبعيدة عن الأطر التقليدية كالعائلة والجيرة. وتوضح كريستينا ميغيل أن المنصات الرقمية ليست مجرد قنوات محايدة، حيث تعمل على صوغ الحميمية، فهي تشجع بنيتها الهندسية المستخدمين على الإفصاح المستمر عن ذواتهم فيما يعرف بظاهرة الخارجية أو المعرض العلني للحياة الخاصة. كما أن هذا الانفتاح يؤدي أحيانا إلى "الازدحام الرقمي" الذي يهدد المساحة الشخصية ومع هذا يجد الكثيرون في هذه التقنيات آلات حميمة تخلق نوعا من التواجد المشترك رغم المسافات الجغرافية الشاسعة. فنحن نشهد اليوم انتقالا جذريا من زمن اليوميات الورقية المغلقة إلى زمن الملفات الشخصية المفتوحة التي تطلع عليها أعين بشرية وخوارزمية على حد سواء. إن الحميمية الرقمية بكل ما تحمله من زيف أو صدق، تظل حاجة إنسانية ملحة في عالم يتسم بالسيولة والاغتراب المستمر. كما أن التوتر القائم بين الرغبة في الظهور والحاجة إلى حماية الذات يشكل المعضلة الأساسية للإنسان الرقمي المعاصر الشيء الذي يجعل من دراسة الممارسات الاجتماعية خلف الشاشات أمرا مهما لفهم سوسيولوجيا العصر.

واليوم، تمتلك الخوارزميات سلطة اجتماعية وسياسية تتجاوز الوظائف التقنية لتصبح آلات سوسيو-إبستمولوجية تشكل تصوراتنا عن الحقيقة وتحدد الأصوات التي تستحق البروز وتلك التي يجب تغييبها. تشير لوبتون إلى أن محركات البحث ليست مجرد فهارس لأنها سلطة تقرر ما هو مهم، حيث تذكر: "تمتلك محركات البحث ما يشير إليه روجرز بالسلطة الخوارزمية، وتعمل كآلات سوسيو-إبستمولوجية؛ فهي تمارس سلطة على المصادر التي تعتبر مهمة وذات صلة". إننا نعيش داخل "صناديق سوداء" خوارزمية تملي علينا ما نراه ونسمعه، وبالتالي فإن الأمر يقيد قدرتنا على التفكير الحر خارج إطار ما تقترحه علينا الأنظمة الذكية.

وبالتالي لا يمكن فصل التكنولوجيا عن منطق الرأسمالية المعرفية التي تحول كل تفاعل إنساني بسيط إلى سلعة يتم تعدينها وبيعها لشركات الإعلانات في سوق البيانات الضخمة. تقتبس ميغيل جملة قاسية تلخص واقع المجانية الزائفة للمنصات: "إذا لم تكن قادرا على رؤية السعر، فأنت هو السلعة. وعليه إن العمل العاطفي الذي نقوم به عبر ما يسمى لايكات والتعليقات والمشاركات هو في الحقيقة مادة خام تنتج قيمة اقتصادية هائلة لأصحاب المنصات الذين يجعلون من مشاعرنا مجرد أرقام قابلة للقياس والربح.

وعلى عكس الوعود اليوتوبية، فإن الرقمنة تعيد إنتاج عدم المساواة البنيوية عبر ما يسمى عدم المساواة الاجتماعية الرقمية، التي تعتمد على تفاوت المهارات والرأسمال الثقافي بين الطبقات. وتوضح لوبتون أن العوائق ليست تقنية فقط بقدر ما أنها نفسية واجتماعية أيضا، حيث تورد: "نقص الخبرة الرقمية الأساسية الناجم عن انخفاض الاهتمام، أو القلق بشأن استخدام التقنيات أو عناصر التصميم التي تثبط الاستخدام". فالطبقات المتميزة تستخدم التقنية لتعزيز نفوذها بينما قد يغرق الآخرون في استخدامات ترفيهية تزيد من تهميشهم الاقتصادي والمعرفي.

ومن جانب آخر، فقد سقطت أوهام "السيبرانية النسوية" التي تنبأت بقدرة الإنترنت على تحرير المرأة من القيود الجسدية والجندرية، حيث أظهر الواقع الرقمي إعادة إنتاج فجة للأدوار الأبوية التقليدية. يوثق بحث كريستينا ميغيل كيف يستمر الرجال في ممارسات الهيمنة وتبريرها بمقولات بيولوجية قديمة حتى في أرقى المنصات التقنية، إذ تذكر: "كان التعبير المتكرر من قبل المشاركين الذكور هو (نحن الصيادون)؛ ويبدو أنهم كانوا يحاولون البحث عن تبرير بيولوجي لتكريس تقاليد الغزل التقليدية". إن المرأة في الفضاء الرقمي لا تزال تواجه "المعايير المزدوجة" وتتعرض للوصم الأخلاقي والتحرش إذا ما حاولت الخروج عن القوالب النمطية المرسومة لها سلفا. بهذا المعنى، فإن الإنترنت، ليس فضاء للتحرر بقدر ما هو مرآة تعكس وترسخ التفاوتات الجندرية الموجودة في العالم الواقعي ولكن بأدوات تقنية أكثر ذكاء وقدرة على الملاحقة.

وعلى سبيل الختام، نستطيع القول، إننا نعيش في ظل رقابة سائلة تتجاوز الأجهزة الأمنية لتصبح جزءا من الاقتصاد التجاري والحياة اليومية عبر ما تسميه لوبتون المجمع الرقابي الذي يجزئ هوياتنا. إذ تبين لوبتون هذه العملية بأن المجمع الرقابي يتم تكوينه من خلال إنتاج وتجميع أشكال مختلفة من البيانات الرقمية، ومن ذلك ينتج نوعا جديدا من المجمعات التي تتغير باستمرار مع إنتاج المزيد من البيانات. كما أننا نعيش في عصر نهاية النسيان حيث تظل بياناتنا وأخطاؤنا مخزنة للأبد، وهذا ما يهدد استقلاليتنا ويجعلنا تحت المراقبة الدائمة لتوائمنا الرقمية. وبالتالي، فإن سوسيولوجيا الرقمنة هي اليوم السلاح النقدي الضروري لفهم كيف تصنع رغباتنا وكيف تقيد حرياتنا خلف واجهات برمجية براقة تدعي الديمقراطية والشفافية.

المراجع المعتمدة 

  • Lupton, D. (2015). Digital Sociology. Routledge.
  • Miguel, C. (2018). Personal Relationships and Intimacy in the Age of Social Media. Palgrave Macmillan.