صدر
في عام 2022 عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت، كتاب مترجم بعنوان: عصر مظلم جديد:
التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل، للكاتب والفنان الإنجليزي جيمس برايدل، وهو
كاتب متخصص في النظريات حول العالم الحديث. الكتاب من ترجمة الأستاذ مجدي عبد
المجيد خاطر. وقد جاء الكتاب مشتملا في بدايته على الفهرس الذي يتضمن عشرة فصول:
(صدع عميق ـ حوسبة ـ مناخ ـ حساب ـ تعقيد ـ إدراك معرفي ـ تواطؤ ـ مؤامرة ـ تزامن
ـ سحابة)، إلى جانب هوامش في آخر الكتاب.
يبحث
الكتاب في مدى فقدان الناس للتواصل في العالم الواقعي بسبب التقدم والتطور الواسع
في التكنولوجيا. ويظهر برايدل أن معظم الناس يعتقدون أن المعرفة حول العالم ممكنة
من خلال المعلومات التي توفرها التكنولوجيا وشبكة الإنترنت. وهو يرى أن عالم البيانات
الرقمية مليء بالمغالطات ونظريات المؤامرة وتزييف الحقيقة. وبالتالي غالبا ما يكون
هناك صعوبة في تصديق المعلومات. كما يضيف الباحث الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في
مراقبة الأفراد والجماعات، والتي ستؤدي حتماً إلى مشكلة هائلة في المستقبل.
يظهر
برايدل ما يمكن أن تقوله لنا التقانة في حالة وجود أزمة طارئة، فقد غير التسارع
التقني إبان القرن الماضي كوكبنا ومجتمعاتنا، كما عملت على تغيير طباعنا، لكن
مشكلتها أنها أخفقت في تغيير فهمنا لتلك الأشياء. علاوة على ذلك، أننا أصبحنا
عاجزون عن الانسلاخ منها، أو التفكير من دونها. ويبين برايدل أنه منذ بداية ظهور
أجهزة الحوسبة، فإن تلك الأجهزة كانت تحاول إخفاء أغراضها الحقيقية، علاوة على
فشلها في التمييز بين الواقع والمحاكاة، وتأثير الحوسبة على تفكيرنا وتغلغلها في
حياتنا اليومية، مما قد ينتج عنها تداعيات شديدة على البشر الذين يستخدمونها.
يكشف
برايدل، على سبيل المثال، مجموعة من النقاشات الناتجة عن التطور الأولي للحساب
كأداة للتنبؤ بالطقس والتحكم فيه، وتأثير تغير المناخ على التقنيات الجديدة، مثل
انخفاض قوة وفعالية شبكة الواي فاي wifi بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وهو ما يؤثر على نقل البيانات
وتخزينها. إلى جانب تأثير تراكم البيانات المغلوطة في تغير المناخ بسبب سعي
الإنسان للحوسبة وتحويل كل الوقائع الاجتماعية والطبيعية إلى بيانات رقمية، وهو ما
أدى إلى ظهور عواقب خارجة عن سيطرته والتي لا يمكن التكهن بها في المستقبل.
وإذا كانت
مدرسة فرانكفورت المبكرة تقدم نقدًا للعقلانية الأداتية للمجتمع الجماهيري، فإن
حجة برايدل في "العصر المظلم الجديد" ليست أقل من مشروع مماثل للعصر
"الشبكي". حيث تنص أطروحة برايدل على أن أمراضنا الاجتماعية المعاصرة من
تغير المناخ، إلى نظريات المؤامرة، والأزمات المالية، والمراقبة الجماعية، وحتى بعض
مقاطع الفيديو المزعجة على موقع اليوتوب تشكل عصرًا جديدًا مظلمًا قادمًا، حيث إن قدرتنا
التكنولوجية على الإنتاج ومعالجة كميات هائلة من المعلومات لا يقابلها زيادة في
المعرفة أو فهم العالم.
إن الظلام
الذي يشير إليه برايدل، هو ما يميز التفكير الحسابي، وهو تفكير يدل على عجز واضح
عن الرؤية بوضوح، والتصرف بشكل هادف، وبطريقة عادلة في العالم. وعليه، فإنه إذا تم
الاعتراف بهذا الظلام، فإنه يمكننا السعي وراء طرق جديدة للرؤية بنور آخر. حيث نحتاج
إلى أشكال من "المعرفة النظامية" على المعرفة الكلية التي تقوم على
الحساب فقط، حيث نحتاج إلى أنماط من اللغة والاستعارة التي تسمح لنا
"بالتفكير دون المطالبة، أو حتى السعي إلى الفهم الكامل"، من أجل
التعامل مع عالم غير قابل للحساب.
كما أن برايدل بارع بشكل رائع في إبراز مجموعة من مظاهر العصر المظلم الجديد
في حالات معينة، مثل تسريب البيانات من مواقع المواعدة التي تركز على الخيانة
الزوجية، أو الأزمات المالية الصغيرة التي تنشرها الصحافة بغرض تضخيمها. وبالتالي،
فإن كل تلك المظاهر تؤدي إلى حساسية تجاه "الغموض وعدم اليقين في كل الأشياء".
إنه التوجه الرئيسي الذي يميز عالمنا اليوم.
وعليه،
يدعو برايدل إلى إعادة التفكير فيما نعرفه، وكيف نعرفه، وما لا نستطيع أن نعرفه،
من خلال التعاون والإشراف واستيعاب الخيارات الواعية بشأن المعلومات والبيانات التي
تسبب أقل ضررا في الحاضر وتتحمل المسؤولية تجاه الأجيال القادمة، بشرط ألا تفترض أنه
يمكن لها التنبؤ والمراقبة، أو أن تقدم وعودا وهمية، مثل قدرتها على المعرفة أو
التحكم. نظرا لأن الحاضر هو دائما حيث نعيش ونفكر ولا سبيل إلى معرفته.
في
الأخير، فإن الكتاب يدخل ضمن الأدبيات المتزايدة حول الفكر السياسي والنظريات التي
تهتم بموضوع التقنيات الشبكية، فهو يعد من أهم المساهمات المحفزة للتفكير في مآل
المجتمعات، وله أسئلة وافتراضات قوية لتوجيه النظرية السياسية المعاصرة.
الكتاب
جيمس برايدل، عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة
ونهاية المستقبل، ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، الكويت ـ المجلس الوطني للثقافة
والفنون والآداب: سلسلة عالم المعرفة، العدد 497، أغسطس 2022. عدد الصفحات: (311)،
(ISBN 978-99906-0-715-4).