تكشف مؤلفات أنتوني
غيدنز (Anthony Giddens) في الحداثة بطور جديد في نماء كتاباته، إذ تنبني
على السمة المفاجئة والمتعددة الأبعاد للتطور الاجتماعي الحديث التي سَبَقَ أن
جَلَّاها آنفا. فالحداثة عنده هي "أنماط الحياة الاجتماعية أو التنظيم التي
بزغت في أوروبا قرابة القرن السابع عشر فصاعدا ثم غدا أثرها
عالميا يطال كل شيء تقريبا"
(Giddens, 1990, p. 1). ويتخذ موقف غيدنز على نعت المجتمع المعاصر بمصطلح الحداثة،
حيث يَمِيزُ في كتاباته مَيْزًا دقيقا بين حداثة "مُبَكِّرة" وأخرى
"مُتأخِّرة". فالحداثة قطيعة كيفية حادة مع ما سلفها من النظم
الاجتماعية التقليدية. وهي تحول عميق ذو امتداد أفقي ورأسي. فأما امتدادها الأفقي
فيتجلى في مؤثرات الترابط المعولمة التي تَطْبَقُ أَرْجَاءَ المعمورة حتى بات
الأفراد يعيشون في فلك كوني؛ وأما امتدادها الرأسي فيظهر في السمات الحميمة
والشخصية من صروف العيش اليومي التي تغيرت تغيرا جوهريا.
كما يُثبت غيدنز
رأيه القائل إن للحداثة أربع دعائم كبرى هي الرأسمالية والصناعة والقدرة على
الرقابة والقوة العسكرية، ويشير إلى ثلاثة منابع متمايزة ومتشابكة تقوم عليها
حركية الحداثة وهي فصل الزمان عن المكان ونشوء آليات التجذير، وإعادة التملك
الانعكاسي المستمر للمعارف.
يُفْضِي فصل الزمان
عن المكان وإعادة تركيبه إلى "تَقسيم" الحياة الاجتماعية. وهذا التقسيم
يُجيز بزوغ تاريخانية جذرية يُمكن بمقتضاها الاستيلاء على الماضي بقصد تشكيل
المستقبل ويسمح وهو الأهم "بتجذير" النظم الاجتماعية. ويُقصد بالتجذير
"عملية 'اقتلاع' العلائق الاجتماعية من سياقات تفاعلها المحلية وإتاحة إعادة
هيكلتها عبر امتدادات لانهائية من الزمان والمكان" (Giddens, 1990, p. 21).
هذا ويتجلى التجدير في
مَظْهَرَيْن اثْنَيْن كلاهما منغرس في صميم بنية الحداثة؛ يتألف أولهما من الرموز
المجردة ومنها النقود التي هي مَثَلُها الأوضح وثانيهما من نظم الخبرة كالأطباء
والمحامين والمهندسين والعلماء. فالثقة وهي ضرب من الإيمان هي قِوَامُ شكلي
التجذير كليهما ويُمثل الشعور بالثقة في العمليات والناس والأشياء عاملا حاسما في
الحفاظ على الإحساس بالأمان الوجودي في العصر الحديث؛ ويُسفر غيابها عن كَمَدٍ
وُجوديٌّ أو هَلَع. وعليه، تصبح الحداثة إِذًا مَشُوبة بالمخاطر وتستحيل المخاطرة
هي السِّمة المُحَدِّدة للثقافة والحياة الحديثتين حتى لتصير "ثقافةَ
مخاطر" حقيقية. ويتخذ هذا الخطر المصنوع وهو ظاهرة جديدة منذرة أشكالا شتى
"فإمكانية الحرب النووية والكارثة البيئية والانفجار السكاني الجامح وانهيار
التبادل الاقتصادي العالمي وغيرها من الفواجع الكونية المحتملة ترسم أفقا مقلقا من
الأخطار يتهدد الجميع"
(Giddens, 1990, p. 125).
يَنْشَأُ عن
تَصَاحُبِ هذا الخطر المصنوع مع العولمة نظرة قَدَرِيَّةٌ شبيهة بتلك التي وسمت
حقبة ما قبل الحداثة فتجلب معها قلقا مكبوتا. ولهذا السبب وجب استبدال التصورات
الكلاسيكية عن شعور المرء وهو يعيش في كنف الحداثة بصورة جديدة تماثل صورة امرئ
يركب ماردا جَموحا. يصف غيدنز الحداثة بأنها "محرك جامح هائل القوة يمكننا
نحن البشر جماعة أن نوجهه إلى حد ما ويهدد أيضا بالخروج عن السيطرة وقد يَهْوي
فيتحطم إربا"
(Giddens, 1990, p. 139).
وهذا التغير في
العلاقة الجدلية بين ميول الحداثة نحو العولمة وأحداث الحياة اليومية الموضعية،
يُؤَدِّي إلى تحول في صميم الحياة اليومية. وينطوي على توجه نحو بناء الهويات
الفردية بوصفها جزءا من مشروع انعكاسي. ففقدان قبضة التراث يعيد تشكيل الحياة
اليومية إذ إنه "كلما أُكره الأفراد على المفاضلة بين خيارات أنماط العيش من
بين طيف متنوع من الإمكانات" (Giddens, 1991, p. 5). وتصبح الذات مشروعا انعكاسيا يقوم على الثقة الأساسية تنفتح
فيه ذات فردية على أخرى.
تُثْمِرُ مبادلة كشف
الذات عن تشكل روابط شخصية وعاطفية في صورة "علاقات نقية"؛ وتتضمن هذه
العلاقات "التزاما" وتقتضي حميمية بحيث لا تنمو الثقة إلا عبر الإفضاء
المتبادل وحده. ومع تحول الروابط الشخصية في الحداثة تتحول أساليب العيش. ويرى غيدنز
في عالم من الخيارات وأنماط الحياة أن التخطيط الاستراتيجي للحياة يغدو مهما؛
فيرسم الأفراد مسارا لأفعالهم المستقبلية من خلال "سيرة ذاتية" أو
"روزنامة لخطة الحياة". ويتجاوز الخيار كل تمايز طبقي؛ فـ "تأثيره
يكاد يكون كليا بغض النظر عن مدى ضيق الأوضاع الاجتماعية التي قد يعيشها أفراد
وجماعات معينة" (Giddens, 1991, p. 86). فحتى أشد الناس حرمانا اليوم يعيشون في
أوضاع تتخللها مكونات الحداثة المؤسسية. يرى غيدنز أن هذا الإيثار ليس خيارا
طوعيا، هو جبر مفارق: "لا نتبع جميعا أنماط حياة فحسب، فنحن على نحو مهم
مكرهون على فعل ذلك – لا مندوحة لنا عن أن نختار" (Giddens, 1991, p. 8).
يَمْضِي غيدنز في
مصنفاته المتأخرة مؤكدا على التمايز الأنطولوجي الجوهري بين معرفة المجتمع ومعرفة
الطبيعة؛ ويَتَّخِذُ موقفا أشد انتقادا لعصر الأنوار. فيرى أن أطروحة القائلة إن
زيادة المعرفة بالحياة الاجتماعية تساوي مزيدا من التحكم في مصائرنا هي أطروحة
زائفة لأن العالم الاجتماعي لا يماثل العالم المادي. ويميز في نظريته عن الحداثة بين انعكاسية هي من سمات
المجتمعات التقليدية وأخرى هي من طابع النظم الاجتماعية الحديثة، فالأولى تقوم على
إعادة تأويل التراث وتجلية معانيه. والانعكاسية في النظم الحديثة تكون وشائجها
بالماضي واهنة أو معدومة حتى تتغير الممارسات الاجتماعية تغيرا مطردا في ضوء
المعلومات الواردة.
يُدْعَى هذا النوع عنده بـ"الانعكاسية الكُلِّيَّة". فالمعرفة في
الحداثة قابلة للمراجعة على الدوام وتظل قائمة "حتى إشعار آخر". وهذا
الشعور باللايقين وانعدام الأساس الذي ترتكز عليه المعرفة يبلغ أشده عند غيدنز في
ميدان العلوم الاجتماعية حيث يعيد التأكيد على التأويلية المزدوجة: "إن خطاب
علم الاجتماع ومفاهيم العلوم الاجتماعية الأخرى ونظرياتها ونتائجها لَتَدُورُ
'دورة مستمرة داخل وخارج' الموضوع الذي تتناوله وهي بذلك تعيد تشكيل مادتها على
نحو انعكاسي"
(Giddens, 1990, p. 43).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق