سطرت انامل عبد الرحيم العطري
مؤلفا قيما وسمه بالرحامنة
القبيلة بين المخزن والزاوية فجاء بمثابة تبيان لخبر
هذه القبيلة التي سكنت فجاج المغرب وتوزعت في وهاده. ترجع أصول هؤلاء القوم الى
ذؤابة العرب من بني معقل (Ma'qil) الذين
طوفت بهم ركاب الظعن من بلاد اليمن مرورا بأرض مصر وليبيا طلبا للنجعة والارتقاء في مدارج
العيش. يذكر الكاتب في مؤلفه ان "الحركة المجالية للرحامنة ستؤثر حتما في
تشكيلات القبيلة بالانتقال من مستوى الانغلاق الى معطى الانفتاح والاستقبال
المستمر لمكونات قبلية أخرى (ص 8).
استبانت ملامح هذه القبيلة في حوز مراكش (Haouz of Marrakech) ابان القرن
السادس عشر للميلاد فاستبدلت خيمة الوبر بنوالة القش واتخذت من الارض مستقرا
وقرارا بعد رحلة كبرى بدات من تخوم الصحراء. يرى النسابون ان تسمية الرحامنة تفيد
"اولاد عبد الرحمان (Awlad Abd al-Rahman) او
اولاد رحمون بن رزق بن اودي بن حسان"
(ص 12). استقرت هذه البطون في الارض فصارت
عصبا شتى منها اولاد سلامة واولاد بويكر والبرابيش والحشاشدة والروحة وغيرها من
الفروع التي تشكلت منها هذه العصبة القوية.
قامت العلاقة بين القبيلة وبين سلطة المخزن (Makhzen) على مد وجزر تارة تهادن
القبيلة وتارة تثور طلبا لكرامتها وذودا عن حياضها. حضر القائد العيادي في تاريخهم حضورا وازنا فكان ميلاده
بزاوية بن مبارك بن محمد من اسرة حازت من
الشرف والجاه حظا عظيما. تقلد العيادي مهام القيادة في زمن تقلب فيه امر السلطنة
وظهرت فيه الفتن فكان سيفا للمخزن حينا وندا له في احيان اخرى. سطر المؤلف ان
"القبيلة والزاوية تظلان في علاقة دالة ومؤثرة مع المخزن" (ص 9).
حضرت الزاوية
(Zawiya) في حياة الرحامنة حضورا قويا فكانت زاوية
الشرادي وزاوية تمصلوحت ملاذا للناس ومرجعا في امور الدين
والدنيا. ارتبطت القبيلة بهذه الرباطات الدينية فصارت الزاوية تشكل ثقلا اجتماعيا
وسياسيا يوجه دفة الامور ويحفظ توازن القوى بين القبائل المتناحرة وبين السلطة
المركزية. يذكر الباحث ان "حضور المقدس في المجال يظهر في المساجد والاضرحة
والزوايا كتعيير دال على معطى الاستقرار" (ص 91).
وقد طفق الناس يبنون حياتهم في ارض الرحامنة فواجهوا قحط
السماء وجفاف الارض بجلد وصبر شديدين. تحول السكن من الخيمة التي ترحل مع الظاعنين
الى النوالة (Nawala) التي
بنيت من القش والطين فصارت رمزا للاستقرار والارتباط بالارض والملك العقاري. تذكر
صفحات الكتاب ان "الانتقال من الخيمة الى النوالة يجسد لحظات الانتقال من
الترحال الى الاستقرار مع التركيز على شكل ومضمون هذا الانتقال" (ص 35)
شهدت أرض الرحامنة في القرن التاسع عشر وما تلاه
تحولات عاصفة رسمت مستقبل المنطقة وهويتها الاجتماعية. تمسك القوم بارضهم فكانت
السيادة العقارية محركا للصراع والتنافس بين العشائر وبين القواد الذين بسطوا
نفوذهم على الوهاد والنجود. اوضح المؤلف ان "الرحامنة سجلت حضورا قويا في عدد
من الاتجاهات والوقائع وهو حضور لاح في كتابات الاخباريين والمؤرخين " (ص 7)
بقيت القبيلة وفية لتقاليدها في التضامن والتعاقد
فوضعت اعرافا تنظم شؤون الرعي والزراعة وتفصل في المنازعات التي تقع بين الافراد.
كانت العزابة (Azzaba) مؤسسة
اجتماعية تدير شؤون الارض وتنظم استغلال الموارد المائية في زمن شح فيه القطر وغار
فيه الماء. يختم عبد الرحيم العطري مباحثه بتبيان ان الرحامنة ظلت عصية على المحو
فحافظت على كينونتها بين سطوة المخزن وبركة الزاوية وقوة القبيلة الضاربة في اعماق
التاريخ المغربي الاصيل.
المرجع
العطري، عبد الرحيم. (2013). الرحامنة: القبيلة بين المخزن والزاوية، ط 4، دفاتر العلوم الإنسانية، مطبعة طو بريس، الرباط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق