يستهل الدكتور نجيب الخدي
مؤلف عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس الموسوم "قضايا منهجية في البحث
السوسيولوجي" بكلمة تقدير وعرفان، فيُبين أن هذا المؤلف ما هو إلا تجميع
لمحاضرات ألقاها الدكتور جسوس في رحاب كلية الآداب بالرباط إبان سنتي 1989 و1990.
ويقر بأن هذا الجمع أتى ثمرة جهد شخصي ومعرفة بموافقة الفقيد الذي أورقها ووزعها
على طلاب السلك الثالث آنذاك، فتكتسي هذه الدروس قيمة علمية كبرى لأسباب جمة؛ منها
أنها تمنح نموذجا لمناهج البحث في علم الاجتماع، ومنها أنها تعكس أهمية الدرس
السوسيولوجي في الجامعة المغربية.
ويصدح الدكتور محمد الناصري)
بصوته فيوضح أن الإشراف على إصدار هذا العمل المكون من
محاضرات وندوات للدراسات العليا، قد سبق للمرحوم محمد جسوس أن أقامها في كلية
الآداب والعلوم الإنسانية، وذلك في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وهي مرحلة
شهدت نقاشات نظرية ومنهجية قوية بين ثلة من الأعلام منهم بيير بورديو (Bourdieu Pierre) وريمون بودون (Boudon Raymond) وإدغار موران (Morin Edgar) وغيرهم. وإن
حصيلة ما جاء في فصول هذا الكتاب لتشير إلى ظاهرة ما تزال تتأكد مرحلة بعد مرحلة
في سياق التطورات التي عرفها علم الاجتماع، فيستحضر جسوس مختلف الرهانات التي طبعت
الحقب والمدارس المتنافسة والمتصارعة أحيانا، فيستعرض خصائص كل مدرسة مبينا عطاءات
كل واحدة منها وإسهامات منظريها.
تُفتتح المباحث بإشكالية العلاقة بين التاريخ
والسوسيولوجيا ومكانة المعطيات التاريخية في البحث السوسيولوجي. فنلحظ منذ البدء
أن وسائل البحث السوسيولوجي كانت تعكس التطورات الأساسية التي عرفتها المجتمعات
الصناعية، وبخاصة ما يتعلق ببروز تركيبات مجتمعية معقدة تنطوي على مجموعة من
التناقضات والصراعات على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والإيديولوجي. وشكلت
هذه الوسائل محورا أساسيا في أدوات التحليل السوسيولوجي التي نتجت عن ذلك (جسوس،
2019، ص. 17). القرن التاسع عشر إذن هو قرن التاريخ، ولقد تجلى طغيان المنطق التاريخي
على الخصوص عن طريق محاولة الخروج بتنميط عام لمختلف أشكال المجتمعات ومراحل
تطورها، وكذلك من خلال النظريات التطورية. ولئن لم نجد إشارة واحدة إلى عبارة
السوسيولوجيا سواء عند "ماركس" في بداية بداية السبعينات أو
"أنجلز" الذي مات في بداية التسعينات بمعنى أنه عاش بداية الإنتاجات
الدوركايمية، فإننا نجد أيضا صحيحا أننا لا نجد عند دوركايمهم "إلا مقالا
واحدا يتعرض فيه للنظروات الماركسية. هذا المقال كان قد نشره في مجلة L'année sociologique وهو
عبارة عن استعراض ونقد لكتاب كان نشره المفكر الإيطالي أنطونيو لابريولا تحت عنوان La conception matérialiste de l'Histoire" (جسوس، 2019، ص. 19).
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى طرائق التعامل مع الإحصائيات
الرسمية، فيتحدث عن الموضوع في مرحلة أولى بالأساس عن المعلومات الإحصائية الرسمية
التي يقع جمعها عن طريق إجراءات معينة. من أهمها الإحصاءات العامة للسكان
والدراسات الوطنية التي يقع إنجازها في بعض الميادين. بالنسبة للإحصاء العام
للسكان مثلا، تم الاعتراف بنتائج 1952-1960، وكان المفروض أن يتم الإحصاء العام
للسكان كل عشر سنوات، إلا أنه وقع تأجيله سنة 1970 و 1982. ثم أصبحت المدة الفاصلة
بين إحصاء وآخر إحدى عشرة سنة عوض عشر سنوات، الأمر الذي نتجت عنه مشاكل حسابية ومصاريف
ظرفية.
تتلوها الاستعمالات الممكنة للتقنيات البيوغرافية على
صعيد البحث السوسيولوجي، فيُستعمل بدل عبارة السيرة الذاتية عبارة المقاربة
البيوغرافية. وتبرز في هذا السياق عدة قضايا؛ أولاها ماهية الأسس أو الظروف التي
دعت إلى استعمال هذه الأداة على الصعيد المنهجي والمواضيع التي أدت إلى استعمال
المقاربة البيوغرافية كأداة منهجية وكطريقة للتعرف على واقع. برزت هذه التقنيات في
علم الاجتماع مع نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات في الولايات المتحدة
الأمريكية، وبالضبط في مركز مهم هو جامعة شيكاغو
(University of
Chicago) لأن جامعة شيكاغو
كانت في ذلك الوقت هي أهم مركز لإنتاج المعرفة السوسيولوجية. ويقر الكاتب بأن
"كل علم الاجتماع لم يتوفر طوال مساره عبر العقود الأخيرة على وحدة نظرية
متكاملة، بل كان يتسم دائما بتعدد مشاربه الفكرية وتنوع توجهاته النظرية واختلاف
مرجعياته الفلسفية" (جسوس، 2019، ص. 6).
ثم يطرق المؤلف باب تقنيات تحليل النصوص، فيقر أن هذا
الأمر يتعلق بتقنية وقع إعدادها من طرف مجموعة من الباحثين في علم النفس الاجتماعي
وخاصة في المرحلة الأولى لارتباطها مع أجهزة المخابرات والدعاية خلال الحرب
العالمية الثانية. ويقع التمييز في تحليل النصوص بين ما هو كمي وتحليل بنيوي
وتحليل دلالي لنصوص معينة من خلال الالتزام بإجراءات معينة مضبوطة خاضعة للاختيار
والمراقبة. ثم تأتي كيفية استغلال المعلومات البيوغرافية، فيتعلق الأمر بإجراءات
منظمة إلى حد ما تعتمد في غالبيتها على بعض تقنيات تحليل المضمون كما وكيفا مع إجراءات
إضافية خاصة عندما نستعمل بعض تقنيات البيوغرافية لأغراض استطلاعية أي للحصول على
معلومات حول أحداث ومراتب اجتماعية.
يُختتم الكتاب بمدخل للسوسيولوجيا التاريخية، فتبرز
السوسيولوجيا التاريخية في هذه المرحلة التي بدأ الحديث فيها عن أزمة عامة
للنظريات السوسيولوجية. وسوف تترك جانبا بعض الملاحظات، التي لم تفلح من جملتها ما
يسمى بنظرية الأنساق كنظرية عامة مقتبسة من علوم الهندسة والعلوم البيولوجية
العامة. وقد أضاف المؤلف دون تطويل أنه في هذه الظروف وقع التقارب ولم يقع التمام ما بين الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا كإحدى الحلول لهذا الإشكال المركزي
المتمثل في غياب نظرية سوسيولوجية عامة. والتقارب بين السوسيولوجيا
والأنثروبولوجيا إذا كان قد استفاد منه الطرفان فإنه لم يساهم على الإطلاق في حل
الإشكال النظري لسبب أساسي، وهو أن الأنثروبولوجيا منذ نشأتها إلى الآن لم تكن
تهتم اهتماما كبيرا للبناءات النظرية الكبرى (جسوس، 2019، ص. 194). ويختتم هذا
المدخل بتقديم نماذج تحليلية منها نموذج ثيودا سكوكبول
(Theda Skocpol) حول الثورات الاجتماعية والدولة،
ونموذج بارنغتون مور (Barrington Moore) حول أصول الطاعة
والتمرد، ونموذج حصيلة النقاشات حول مسألة الدولة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق