تحدثت بطون التاريخ عن أرزاء الدهر التي حلت بالمملكة
المغربية عبر العصور
الخالية، فكانت الأوبئة صواعق تمزق نسيج الاجتماع البشري وتذيق الورى مرارة
الفناء. وقد أغفل الاخباريون المغاربة قديما هذه الجوانب السلبية التي لم تتبدل
صفتها الغالبة في كتاباتهم. يذكر محمد الأمين البزاز أن هؤلاء "كانوا يوجهون
عنايتهم إلى الوقائع الحربية والتقلبات السياسية، معتبرين إياها جوهر الماضي الحري
بالاعتبار". وبقيت هذه الآفات مطمورة في غياهب النسيان حتى استنطقها الباحث
في أطروحته هذه. وقد غارت عيون المنية في أجساد الضعفاء والأقوياء دون تمييز، حيث سادت
الفوضى في ربوع البلاد جراء تتابع المحن.
ويشير البزاز على أن الموت الأسود قد داهم البلاد في
فترات دورية فأهلك الحرث والنسل وترك الديار خراب. حيث تضافرت عوامل القحط مع انتشار
العدوى فصارت المجاعات رديفا للأوبئة في كل حين. وقد نزل الوباء بساحة المغرب
فزعزع أركان السلطة والمجتمع على حد سواء. كما اختفت معالم الحياة في مدن كبرى مثل
مراكش وفاس، وتعطلت
التجارة وانحبس المطر فأصاب الناس اليأٍس. فقد صرخ الجياع في الدروب طلبا للقمة
عيش تسد الرمق.
وقد استشرى داء الطاعون في أواخر القرن الثامن عشر
الميلادي فهد أركان العباد واستنزف طاقة البلاد. يروي المؤلف عن سليمان الفشتالي قوله "فشا الطاعون بالمغرب أول
ما ظهر بقبيلة لوداية حتى فني من شاء الله بمحلتهم... ودخل القصبة وفاس الجديد
منتهي جمادى الثانية عام ثلاث عشر ومائتين وألف (9 دجنبر 1798) حتى تحيرت الناس
وفتنوا (كذا) الأغنياء من كثرة الموتى وجعلت الناس ترمي كواشط الموتى وحوايج
لباسهم بين الطرق (كذا)". وانتشر الموت في مدينة فاس انتشار النار في الهشيم.
عجز الناس عن دفن موتاهم بكرامة. وضاقت المقابر بما رحبت. إذ سكن الرعب في النفوس
وأيقن الجميع بدنو الساعة.
هذا وقد نقلت السفن القادمة من ثغور الشرق رياح الردى
إلى الموانئ المغربية المفتوحة على التجارة العالمية، وأصبحت مدينة طنجة بوابة تدخل منها الأمراض الوافدة مع
المسافرين والبضائع. وقد عانى السكان من قلة الاحتراز وغياب التدابير الصحية
الناجعة في تلك المرحلة العسيرة. وغلبت الخرافة على العقول ففسرت الوباء عقابا
سماويا لا مفر منه.
كما توالت النكبات في عهد السلطان مولاي سليمان فاجتمع على الناس خوف الوباء وضيق
ذات اليد. وانتشر الطاعون في سنوات 1818 و1820 مخلفا وراءه جبالا من الجثث الهامدة،
إذ فقدت الدولة كثيرا من فقهائها وأعيانها وجنودها في هذه المحنة القاسية. الأمر
الذي أدى إلى اضطراب في نظام الجباية وتقلصت موارد بيت المال بشكل مخيف.
ومن بين الأوبئة التي ظهرت بالمغرب، داء الكوليرا في منتصف القرن التاسع عشر فكان
وافدا جديدا أشد فتكا من سابقيه، فقد انطلق هذا الوباء من الهند ليعبر الحدود والقارات ويحط رحاله في
المغرب عام 1834. ويذكر البزاز أن هذا الوباء "يعتبر حلقة من سلسلة واسعة
بدأت في عدد من البلدان المتوسطية منذ سنوات"، وقد تم ربط الكوليرا بضعف البنية التحتية وتلوث المياه في
الحواضر المكتظة. وعمل على إزهاق الآلاف من الأرواح في الدار البيضاء والرباط، حيث
هرب الناس من المدن الموبوءة نحو الجبال والبوادي طلبا
للنجاة.
لقد سكن الهلع قلوب العامة والخاصة فصاروا ينتظرون
انقضاء الدنيا وزوال ملك بني آدم. فقد صور البزاز هذا المشهد الجنائزي بقوله
"إن آلام الطاعون، الذي حل ولما تندمل جراح سابقه، وهلاك الفقهاء، وتقلص نفوذ
المخزن، ثم وفاة مولاي سليمان وتركه البلاد كسفينة تتقاذفها الأمواج، كل ذلك أفرز
الشعور بقرب نهاية العالم". إذ غدت الوفيات روتينا يوميا ينهك القوى الجسدية
والمعنوية. فضلا عن ذلك، فإن البيوت خلت من سكانها وصارت مرتعا للوحوش والهوام. كما
انهارت الأسواق وتعطلت سبل المعاش. وأدى أيضا إلى غياب الأمن من الطرقات، مما تمخض
عن ذلك تسيد اللصوص في الدروب المهجورة. وقد عجزت يد السلطان عن لجم الفتن
المتلاحقة.
كما عرف المغرب محاولات لمواجهة الأوبئة. وعلى سبيل
المثال، حاول المجلس الصحي في طنجة فرض تدابير الحجر الصحي
للحد من التسرب الأوبئة. حيث واجهت هذه المحاولات
ممانعة شعبية ورسمية منطلقة من معتقدات دينية وتجارية، فرأى البعض في الحجر بدعة
أجنبية تهدف إلى عرقلة مصالح العباد، الأمر الذي أدى هذا التراخي إلى تكرار
الفواجع وتفاقم الخسائر البشرية.
وفي عام 1866 شهد موجة عاتية من الضيق تزامنت مع قحط
شديد ضرب المزارع والحقول. يروي البزاز عن حالة مدينة سلا
بقوله "إن أهل سلا حرسها الله في غاية الضيق
والحرج بسبب ما حصل من غلاء الأسعار وارتفاعها (...) إلى غير ذلك مما زادت قيمته
وبلغ ثمنه الغاية من ضروريات الانسان"،
فقد أكل الناس النباتات البرية من شدة الجوع الذي نهش أمعاءهم، وكانت الأسواق خالية
من الحبوب وصار الثمن فوق طاقة البشر. وعلى إثر ذلك تدافع الجوعى نحو موانئ البحر
يرجون المساعدة. حيث سقط المئات في الطرقات صرعى للمرض والجوع في آن واحد.
وتقدر الاحصائيات عدد الضحايا بعشرات الآلاف في كل
موجة وبائية تضرب البلاد. فمن المعلوم أن المغرب في القرن التاسع عشر فقد نسبة
كبيرة من سكانه جراء هذه الكوارث المتلاحقة، حيث تراجعت القوة الانتاجية للبلاد
وضعفت القدرة العسكرية لمواجهة الأطماع الخارجية.
ويمكن القول إن الناس اعتمدوا على الطب التقليدي
والتمائم والصلوات لرفع غضب السماء عن رؤوسهم، حيث أقيمت صلوات الاستسقاء والدعوات
في المساجد والزوايا طلبا للفرج القريب. ولم يفلح كبار الأطباء في إيجاد ترياق
يشفي المرضى من سموم الكوليرا والطاعون. لقد شاعت الوصفات الشعبية التي استندت إلى
الخل والأعشاب وكي الأبدان بالنار. كما بقيت العزلة هي الحل الوحيد والناجع لمن
استطاع إليها سبيلا.
إن هذه المظاهر والصور التي رسمها محمد الأمين البزاز في كتابه "تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب" هي أشبه بلوحة قاتمة لتاريخ المغرب الصحي في قرنين من الزمان. وهي تذكرنا بأن هذه
الأوبئة تظل شاهدا على صمود الشعب المغربي في وجه النكبات العظمى. حيث يمكن أن
نستخلص منها العبر في مواجهة جائحة كوفيد ـ 19.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق