تعتبر أزمة كوفيد-19 بأنها أكثر من مجرد وعكة صحية ألمت
بجسد العالم، فقد تحولت بسرعة مذهلة إلى زلزال هز أركان التوازن العالمي القائم
منذ عقود، فمن منظور سوسيولوجي فإن تلك الجائحة أصبحت بمنزلة
واقعة اجتماعية. إنها أزمة شاملة تشرك في طياتها، سواء
في مسبباتها أو في تداعياتها، كينونة المجتمع بأسره بكافة مؤسساته العميقة، كاشفة
عن بنية اجتماعية كانت تظن أنها محصنة ضد مثل هذه الانهيارات الكبرى والمفاجئة
التي أعادت تشكيل ملامح حياتنا اليومية بكل تفاصيلها المادية والرمزية.
واليوم، يعيش الإنسان المعاصر في ظل ما يسمى بمجتمع
المخاطرة، وهو مفهوم يتجاوز الحدود الجغرافية والطبقية، إذ ينتشر الفيروس بسرعة
هائلة محولا وباء محليا إلى كارثة عالمية شاملة لا تفرق بين غني أو فقير. وكما
يلاحظ، فإنه عندما تغزو المخاوف العقول، تكشف مجتمع المخاطرة عن كامل قوته
المزعزعة للاستقرار. ومع اختفاء فكرة ما يسمى المخاطر الصفرية، بات لزاما علينا
الاعتياد على التعايش مع تهديدات وجودية لا يمكن السيطرة عليها كليا بالوسائل
التكنولوجية والطبية وحدها. وهذا يضع أنظمتنا السياسية والاجتماعية في اختبار دائم
للقدرة على التكيف في ظل غياب اليقين المطلق وتصاعد حدة القلق الجماعي.
إن العودة إلى التاريخ تكشف لنا بوضوح أن الأوبئة ليست
ظواهر طارئة على كوكبنا، ولكنها رفيق دائم لمسيرة البشرية منذ الأزل، حيث أن الأوبئة
والجوائح والمجاعات رافقت البشرية دوما. ومنذ الطاعون الأنطوني وصولا إلى
الأنفلونزا الإسبانية ظل التاريخ يكرر دروسه القاسية حول هشاشة الوجود البشري أمام
العوامل الممرضة التي لا ترى بالعين المجردة.
أحد أهم الوجوه السوسيولوجية التي كشفت عنها هذه
الأزمة هو وجه اللامساواة الصارخة، فقد تبين أن الفيروس ليس ديمقراطيا كما ادعى
البعض في بداياته الأولى بل هو منحاز بامتياز. فالمعطيات الميدانية تشير إلى أنه على
عكس الأسطورة القائلة بأن الأوبئة تتجاوز الطبقات الاجتماعية فإنها تميل إلى إصابة
الفقراء أكثر من الأغنياء وتعميق الفوارق.
وقد ظهر ذلك بوضوح في أحياء المهاجرين وفي ظروف السكن
الضيقة التي تحولت إلى بؤر عائلية للعدوى لا يمكن الهروب منها. إن القدرة على
تطبيق "التباعد" أو ممارسة لعمل من المنزل هي بحد ذاتها امتياز طبقي
واقتصادي لا يملكه الجميع. الأمر الذي جعل الفئات الهشة والمهمشة تدفع الثمن
الأكبر من صحتها وحياتها نتيجة لتعرضها المستمر في الخطوط الأمامية للعمل والإنتاج.
يثير مصطلح التباعد الاجتماعي جدلا واسعا في الحقل
السوسيولوجي، فهو في الأصل تعبير ينتمي إلى الخبرة الطبية الحيوية، لكن استخدامه
كإجراء اجتماعي يفتح الباب أمام قراءات ثقافية متنوعة. وعلى سبيل المثال، دراسات
"البروكسمية" التي طورها إدوارد هول تظهر أن المسافات بين الأفراد تختلف
جذريا باختلاف الثقافات والمجتمعات، حيث يذكر أن العرب يميلون إلى البقاء داخل
الفقاعة الشمية لمخاطبهم، في حين يحاول الأمريكيون البقاء خارجها. وبالتالي عندما
تفرض الدول تباعدا اجتماعيا فهي لا تفرض مجرد مسافة جسدية بالمتر، ولكنها تتدخل في
صميم العلاقات الرمزية التي تربط البشر ببعضهم. إن الفيروس لا يكترث بالمعاني
السياقية للغة الجسد، لكن المجتمع يفعل، وهذا ما جعل المسافات الجديدة تعاش كنوع
من الشك المتبادل أو حتى العدوانية الصامتة. فالفضاءات العامة التي كانت سابقا
مكانا للترحيب واللقاءات العفوية، أضحت الآن مناطق حذر مشحونة بالتوتر والمراقبة
الاجتماعية المستمرة.
ومع فرض العزلة والتباعد الجسدي، برزت طقوس اجتماعية
جديدة سعت لتعويض الفقدان الجسدي للآخر، من التصفيق الليلي على الشرفات إلى
اللقاءات الجماعية عبر تطبيقات الفيديو. هذه الممارسات لم تكن مجرد وسائل لتمضية
الوقت، فقد كانت صرخة جمعية ضد الشعور بالوحدة وضد عنف الغياب الذي حرم الكثيرين
من طقوس الوداع الأخيرة. إن علم الاجتماع يخبرنا بوضوح أنه لا يمكن للمرء أن يعيش
ولا أن ينجو ولا أن يموت بدون طقوس. فالطقس يضع خطا رمزيا فاصلا بين قبل وبعد، وهو
ما يمنح الحياة إيقاعا ومعنى وسط فوضى الأزمة التي شتتت الروابط الأسرية. الشرفات
تحولت من مساحات خاصة إلى مسارح عامة للأداء الجماعي، حيث التصفيق الليلي يقطع
الروتين اليومي المزعزع محاولا إعادة إعطاء إيقاع للأيام.
وفي غياب الروابط التقليدية باتت الوسائل الرقمية
وسيلة بقاء لا غنى عنها للحفاظ على الانتماء لمجتمع بشري حي يرفض الموت في صمت.
إنها سوسيولوجيا الوجود في أقصى تجلياتها، عندما يصبح الجسد الظاهر على الشرفة هو
الدليل الوحيد على أننا ما زلنا موجودين معا. ومن خلال هذه الطقوس، يمكن الأفراد
من استعادة جزء من قدرتهم على الفعل، محولين العزلة إلى تضامن رمزي يكسر جدار
الخوف. فالطقس ليس مجرد عادة، بل هو غراء اجتماعي كما وصفه دوركايم، يربط أجزاء
المجتمع المفتتة في زمن الأزمات الكبرى والمفاجئة.
وعلى الرغم من محاولات الدول المستمرة لإعادة إغلاق
حدودها الوطنية كدرع يحمي وجودها تظل الحقيقة العلمية والاجتماعية تؤكد بوضوح أن هذه
الجائحة لا تعترف بالحدود ولا وجود لها. فالفيروس أظهر لنا أنه عابر للقارات
والهويات، وكأن محاولة بناء الجدران هي مجرد وهم سياسي يسعى لطمأنة الشعوب الغارقة
في بحر من القلق الوجودي. إن العودة إلى القومية الضيقة في زمن الجائحة تعكس
ميكانيزمات دفاعية قديمة تعتمد على وضع الآخر في خانة الخطر لتبرير الانغلاق على
الذات.
وتسلط هذه الأزمة الضوء أيضاً على مساحات التهميش
القصوى مثل السجون حيث يصبح التباعد الاجتماعي ترفا مستحيلا في ظل الاكتظاظ
الهيكلي المزمن. فالتقارير الدولية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تشير بوضوح
إلى أن تعايش المحتجزين في تقارب وثيق، يمكن أن يزيد من احتمالية خطر انتقال
مسببات الأمراض مثل كوفيد-19. هذا الوضع المأساوي جعل السجون تتحول من أماكن لعزل الخطر
عن المجتمع إلى مناطق رعب يخشى فيها السجناء من العدوى القادمة. لقد أدى الفيروس
إلى إعادة التفاوض حول النظام السجني بكامله، وفعل في بعض الدول القدرة على الفعل لدى
المعتقلين للمطالبة بحقهم الأساسي في الصحة. السجن في زمن الجائحة يكشف عن وجه
الدولة العقابي الذي يجد نفسه عاجزا عن حماية أرواح من جردتهم من حريتهم.
لقد أدت الجائحة إلى توقف شبه كامل للآلة الاقتصادية
العالمية، وهو ما أحدث صدمة عميقة في الوعي الجمعي، مذكرة إيانا بأن أي اقتصاد هو
(وكان دائما) منخرط في المكان، في الزمان وفي الجماعة. لم تعد قيمة التبادل المجردة
هي المحرك الوحيد للفعل الاجتماعي، بقدر ما قد برزت قيمة الاستعمال والاحتياجات
البشرية الأساسية كمطلب أخلاقي وسياسي ملح.
إن النجاح في مواجهة هذا التهديد الفيروسي يعتمد
بالأساس على تفعيل مفهوم المسؤولية المشتركة، إذ نحن في الحاجة لتعاون السكان
الذين من الناحية المثالية، سيفهمون إجراءات الوقاية. لا يمكن للدولة وحدها مهما
بلغت أدوات مراقبتها وقوتها أن تسيطر على سلوك كل فرد دون وجود عقد اجتماعي صحي
متين.
في مجال الاستهلاك، أتاح الحجر الصحي فرصة غير مسبوقة
للتفكير في أنماط حياتنا المادية المفرطة لكن الخوف يظل قائما من عودة الأوضاع إلى
طبيعتها السابقة. الحقيقة المرة هي أن المجتمع الرأسمالي مرن بشكل خاص والعودة إلى
الطبيعي قد تكون عودة إلى الأسوأ. وعليه، إن إمكانية الانتقال نحو مستقبل مستدام
تتطلب إعادة تقييم جذري لمفهوم الرفاهية البشرية بحيث لا يتجاوز الحدود
البيوفيزيائية الصارمة للكوكب. إن دروس الجائحة يجب أن تتحول إلى ممارسات اجتماعية
دائمة تعيد الاعتبار للإنتاج المحلي والروابط الإنسانية العميقة بدلا من الاستهلاك
السطحي. فالمستقبل يعتمد على قدرتنا على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء
المجتمع على أسس العدالة البيئية والاجتماعية الشاملة.
في الختام، يظهر دور العلوم الاجتماعية في هذه المرحلة
ليس كترف أكاديمي، بل كضرورة حتمية لفهم كيف يتفاعل البشر مع الكوارث. إن
"العلوم الاجتماعية والإنسانية هي علوم للتوجيه، بوصلة قادرة على التجسد". ومن خلال هذا المنظور السوسيولوجي
الشامل، نستطيع بناء سياسات عامة أكثر توازنا وإنسانية، تحترم كرامة الفرد وتواجه
تحديات المستقبل بوعي أعمق وهدوء أكبر. إن فهمنا لكوفيد-19 كفعل اجتماعي هو الخطوة
الأولى نحو تجاوز تداعياته النفسية والاجتماعية التي سترافقنا لسنوات طويلة قادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق