الأحد، 20 ديسمبر 2020

في سوسيولوجيا الرقمنة

 


يدرك الجميع التحول الذي نعيشه اليوم، فنحن جميعا في قلب مجتمع رقمي تغلغلت تقنياته في حياتنا بشكل مفرط، لدرجة أنها لم تعد مجرد أدوات ولكنها أصبحت قوى خفية تشكل علاقاتنا الاجتماعية وحكوماتنا واقتصاداتنا بدقة متناهية، إذ تؤكد ديبورا لوبتون في أطروحتها الأساسية قائلة: نحن نعيش الآن في مجتمع رقمي. لقد كان للتقنيات الرقمية الجديدة تأثير عميق على الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والحكومة، والتجارة، والاقتصاد، وإنتاج المعرفة ونشرها. فلم يعد الأمر مقتصرا على استخدامنا للإنترنت، لكننا نتحول تدريجيا إلى موضوعات بيانات تراقب تحركاتها في المكان وعاداتها الشرائية وتواصلها الحميم سواء اخترنا ذلك أم لا. فهذا الواقع يفرض على السوسيولوجيا وضع التقنية في صميم انشغالاتها، فكل المواضيع الكلاسيكية من العائلة إلى الصحة والعمل والتعليم باتت مرتبطة بشكل لا مفر منه بالوسائط الرقمية التي تعيد تعريف كينونتنا البشرية.

إن سوسيولوجيا الرقمنة كفرع علمي لا تكتفي بدراسة كيف يستخدم الآخرون هذه التقنيات، فهي تمتد لتشمل نقد الممارسة الأكاديمية نفسها في ظل تحول الباحثين إلى فاعلين مرقمنين داخل مؤسسات التعليم العالي. وترى لوبتون أن علماء الاجتماع مطالبون بتطوير سوسيولوجيا حية تواكب سرعة تدفق البيانات الضخمة التي تديرها إمبراطوريات مثل جوجل وفيسبوك بكفاءة تفوق قدرات المؤسسات الأكاديمية التقليدية، حيث تقول: "يجب ألا يفكر علماء الاجتماع ويدرسوا فقط كيف يستخدم الأشخاص (الآخرون) التقنيات الرقمية، بل وأيضا كيف أصبحوا هم أنفسهم وبشكل متزايد (أكاديميين مرقمنين)". إن هذا التحول ليس مجرد خيار مهني، فهو ضرورة وجودية للدفاع عن شرعية التخصص ومنع دخوله في حالة من العجز المعرفي أمام التطورات التقنية المتسارعة.

وفي عمق هذه التحولات، تبرز الحميمية كقيمة يعاد بناؤها عبر نظام الفردانية الشبكية الذي جعل الفرد عقدة اتصال تدير شبكات مشتتة جغرافيا وبعيدة عن الأطر التقليدية كالعائلة والجيرة. وتوضح كريستينا ميغيل أن المنصات الرقمية ليست مجرد قنوات محايدة، حيث تعمل على صوغ الحميمية، فهي تشجع بنيتها الهندسية المستخدمين على الإفصاح المستمر عن ذواتهم فيما يعرف بظاهرة الخارجية أو المعرض العلني للحياة الخاصة. كما أن هذا الانفتاح يؤدي أحيانا إلى "الازدحام الرقمي" الذي يهدد المساحة الشخصية ومع هذا يجد الكثيرون في هذه التقنيات آلات حميمة تخلق نوعا من التواجد المشترك رغم المسافات الجغرافية الشاسعة. فنحن نشهد اليوم انتقالا جذريا من زمن اليوميات الورقية المغلقة إلى زمن الملفات الشخصية المفتوحة التي تطلع عليها أعين بشرية وخوارزمية على حد سواء. إن الحميمية الرقمية بكل ما تحمله من زيف أو صدق، تظل حاجة إنسانية ملحة في عالم يتسم بالسيولة والاغتراب المستمر. كما أن التوتر القائم بين الرغبة في الظهور والحاجة إلى حماية الذات يشكل المعضلة الأساسية للإنسان الرقمي المعاصر الشيء الذي يجعل من دراسة الممارسات الاجتماعية خلف الشاشات أمرا مهما لفهم سوسيولوجيا العصر.

واليوم، تمتلك الخوارزميات سلطة اجتماعية وسياسية تتجاوز الوظائف التقنية لتصبح آلات سوسيو-إبستمولوجية تشكل تصوراتنا عن الحقيقة وتحدد الأصوات التي تستحق البروز وتلك التي يجب تغييبها. تشير لوبتون إلى أن محركات البحث ليست مجرد فهارس لأنها سلطة تقرر ما هو مهم، حيث تذكر: "تمتلك محركات البحث ما يشير إليه روجرز بالسلطة الخوارزمية، وتعمل كآلات سوسيو-إبستمولوجية؛ فهي تمارس سلطة على المصادر التي تعتبر مهمة وذات صلة". إننا نعيش داخل "صناديق سوداء" خوارزمية تملي علينا ما نراه ونسمعه، وبالتالي فإن الأمر يقيد قدرتنا على التفكير الحر خارج إطار ما تقترحه علينا الأنظمة الذكية.

وبالتالي لا يمكن فصل التكنولوجيا عن منطق الرأسمالية المعرفية التي تحول كل تفاعل إنساني بسيط إلى سلعة يتم تعدينها وبيعها لشركات الإعلانات في سوق البيانات الضخمة. تقتبس ميغيل جملة قاسية تلخص واقع المجانية الزائفة للمنصات: "إذا لم تكن قادرا على رؤية السعر، فأنت هو السلعة. وعليه إن العمل العاطفي الذي نقوم به عبر ما يسمى لايكات والتعليقات والمشاركات هو في الحقيقة مادة خام تنتج قيمة اقتصادية هائلة لأصحاب المنصات الذين يجعلون من مشاعرنا مجرد أرقام قابلة للقياس والربح.

وعلى عكس الوعود اليوتوبية، فإن الرقمنة تعيد إنتاج عدم المساواة البنيوية عبر ما يسمى عدم المساواة الاجتماعية الرقمية، التي تعتمد على تفاوت المهارات والرأسمال الثقافي بين الطبقات. وتوضح لوبتون أن العوائق ليست تقنية فقط بقدر ما أنها نفسية واجتماعية أيضا، حيث تورد: "نقص الخبرة الرقمية الأساسية الناجم عن انخفاض الاهتمام، أو القلق بشأن استخدام التقنيات أو عناصر التصميم التي تثبط الاستخدام". فالطبقات المتميزة تستخدم التقنية لتعزيز نفوذها بينما قد يغرق الآخرون في استخدامات ترفيهية تزيد من تهميشهم الاقتصادي والمعرفي.

ومن جانب آخر، فقد سقطت أوهام "السيبرانية النسوية" التي تنبأت بقدرة الإنترنت على تحرير المرأة من القيود الجسدية والجندرية، حيث أظهر الواقع الرقمي إعادة إنتاج فجة للأدوار الأبوية التقليدية. يوثق بحث كريستينا ميغيل كيف يستمر الرجال في ممارسات الهيمنة وتبريرها بمقولات بيولوجية قديمة حتى في أرقى المنصات التقنية، إذ تذكر: "كان التعبير المتكرر من قبل المشاركين الذكور هو (نحن الصيادون)؛ ويبدو أنهم كانوا يحاولون البحث عن تبرير بيولوجي لتكريس تقاليد الغزل التقليدية". إن المرأة في الفضاء الرقمي لا تزال تواجه "المعايير المزدوجة" وتتعرض للوصم الأخلاقي والتحرش إذا ما حاولت الخروج عن القوالب النمطية المرسومة لها سلفا. بهذا المعنى، فإن الإنترنت، ليس فضاء للتحرر بقدر ما هو مرآة تعكس وترسخ التفاوتات الجندرية الموجودة في العالم الواقعي ولكن بأدوات تقنية أكثر ذكاء وقدرة على الملاحقة.

وعلى سبيل الختام، نستطيع القول، إننا نعيش في ظل رقابة سائلة تتجاوز الأجهزة الأمنية لتصبح جزءا من الاقتصاد التجاري والحياة اليومية عبر ما تسميه لوبتون المجمع الرقابي الذي يجزئ هوياتنا. إذ تبين لوبتون هذه العملية بأن المجمع الرقابي يتم تكوينه من خلال إنتاج وتجميع أشكال مختلفة من البيانات الرقمية، ومن ذلك ينتج نوعا جديدا من المجمعات التي تتغير باستمرار مع إنتاج المزيد من البيانات. كما أننا نعيش في عصر نهاية النسيان حيث تظل بياناتنا وأخطاؤنا مخزنة للأبد، وهذا ما يهدد استقلاليتنا ويجعلنا تحت المراقبة الدائمة لتوائمنا الرقمية. وبالتالي، فإن سوسيولوجيا الرقمنة هي اليوم السلاح النقدي الضروري لفهم كيف تصنع رغباتنا وكيف تقيد حرياتنا خلف واجهات برمجية براقة تدعي الديمقراطية والشفافية.

المراجع المعتمدة 

  • Lupton, D. (2015). Digital Sociology. Routledge.
  • Miguel, C. (2018). Personal Relationships and Intimacy in the Age of Social Media. Palgrave Macmillan.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق