ينبري الكاتب ميشال دوبوا
(Michel Dubois) مؤلفه المعرفي
"مدخل إلى علم اجتماع العلوم" بتقديم يضع المفاتيح في يد القارئ، سواء
أكان ضليعا أم غرا، لإيلاف هذا الحقل المعرفي الوليد. إن علم اجتماع العلوم فرع
حديث النشأة، غض الإهاب، لم ترسخ أواصره إلا في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وهذا
ما يجعل رسم تخومه أمرا عسرا. فهذا العلم يتقاطع في اهتماماته مع حقول معرفية شتى،
كفلسفة العلوم وتاريخها، ما يصعّب إيجاد منهجية نظرية وحيدة له. ويبدو أن الصعوبة
الكبرى التي تعترض سبيل هذا العلم هي في "تصور طبيعة هذا العلم ونظره، وهي
صعوبة مثلوثة: المطلوب أولاً أن تكون في مستوى تمثل التعدد الداخلي صلب علم اجتماع
العلوم من دون الوقوع في عيب رؤية تجزيئية" (دوبوا، 2008، ص. 16).
ينبسط الكتاب في خمسة فصول متتابعة؛ يطوف الفصل الأول
منها على المقاربات السوسيولوجية للعلم، فيستعرض أصولها ومنظوراتها ومجادلاتها
الكبرى. ثم يتبعه الفصل الثاني الذي يتناول بالبحث أسس الجماعة العلمية ومنظوراتها
السوسيولوجية، في حين يغوص الفصل الثالث في دراسة التراتب والتنظيم الاجتماعي
للعمل والشبكات العلمية. أما الفصل الرابع فيدور حول مفهوم الاصطلاح والنظرية
السوسيولوجية، وتختتم الرحلة بالفصل الخامس الذي يعالج الخيارات والنظريات
والاستدلالات العلمية.
في أصول المقاربات السوسيولوجية
تنطلق المقاربة السوسيولوجية للعلم من مجادلات قديمة،
فتجد أصولها الأولى عند إميل دوركهايم (Émile Durkheim) وصاحبه مارسيل
موس (Marcel Mauss) اللذين بحثا في
"الأشكال الأولية للتصنيف" وربطاها بالبنى الاجتماعية. فقد رأيا أن
طريقة تنظيم المعرفة لدى الأقوام الغابرة تعكس بصورة جلية تنظيم مجتمعاتهم. ففي
دراستهما لقبائل الزونيس (Zunis) بأمريكا
الشمالية، وجدا أنهم يصنفون الموجودات كافة في نسق قوامه القرابة، ويوزعون أشياء
الكون على سبع مناطق هي الشمال والجنوب والشرق والغرب والسمت والنظير والوسط
(دوبوا، 2008، ص. 30). هذا التوزيع لا يطابق تماما ما لاحظه دوركهايم وموس لدى شعب
البويبلو (Pueblo)، ما يشي بأن العلائق بين التصنيف والمجتمع ليست بالغة التمام.
ومن جهة أخرى، نجد مقاربة اشتراكية تأثرت بفكر كارل
ماركس (Karl Marx)، بزعامة كل من بوريس هسن
(Boris Hessen) وجون برنال (John Bernal). فقد زعم هسن في
عرض قدمه بالمؤتمر الدولي الثاني حول تاريخ العلوم عام 1931 أن أعمال إسحاق نيوتن (Isaac Newton) الجبارة، وخصوصا
كتابه "المبادئ" (Principia)، إنما هي استجابة للمهمات الاقتصادية والتقنية التي فرضتها
البرجوازية الصاعدة آنذاك (دوبوا، 2008، ص. 33). وقد نحا برنال المنحى ذاته، فطرح
في كتابه "الرابط الاجتماعي في العلم"
(The Social
Relation in Science) فكرة أن العلم
يجد تعبيره الأقوى في مؤلف برنال الاجتماعي للعلم المنشور عام 1939.
مؤسسة العلم الاجتماعية عند ميرتون
يبرز اسم روبرت ك. ميرتون
(Robert K. Merton) كأول عالم اجتماع
أمريكي حاز على الامتياز في هذا الميدان، فقد أسس ما عرف لاحقا بـ "المدرسة
الميرتونية". ولد ميرتون في فيلادلفيا
(Philadelphia) عام 1910 وتخرج من جامعة هارفارد
(Harvard) عام 1936. وفي
منشوراته الأولى بين عامي 1938 و1942، أرسى دعائم دراسة سوسيولوجية للعلم ربطت بين
الطهرانية (Puritanism) والعلم
والديمقراطية الليبرالية في إنجلترا القرن السابع عشر. والسؤال الذي أقض مضجع
ميرتون هو: "من أين أتت الثورة العلمية والتقنية التي عرفتها إنجلترا في
نهاية القرن السابع عشر؟ أو أيضاً: لماذا كان ممكناً أن نلاحظ بواسطة مؤشرات
مختلفة نمواً واضحاً في الاهتمام بالعلم خلال تلك الفترة وفي ذلك المكان
المحدد؟" (دوبوا، 2008، ص. 50). وقد استنتج أن القيم الثقافية السائدة في
المجتمع والعلائق بين العلم والقطاعات الاقتصادية والعسكرية من جهة، وبين العلم
والنمو السكاني من جهة أخرى، قد أثرت في هذا النماء.
إن الأطروحة التي دافع عنها ميرتون تذكرنا بالنظرية
الشهيرة لماكس فيبر (Max Weber) والمتعلقة
"بالأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، وقد استلهم ميرتون عمله من
هذه الفكرة (دوبوا، 2008، ص. 51). وقد وضع ميرتون أربعة مقتضيات تشكل "خُلق
العالم" (ethos) وهي: العمومية
والمشاعية والنزاهة والشك المنظم (دوبوا، 2008، ص. 134). هذه المقتضيات هي التي
تؤسس للجماعة العلمية وتضمن استقلاليتها ونزاهتها في طلب المعرفة.
الجماعة العلمية وبنية الثورات
بعد ميرتون، جاء توماس كون
(Thomas S. Kuhn) ليغير وجه تاريخ
العلوم وفلسفتها بكتابه "بنية الثورات العلمية"
(The Structure of
Scientific Revolutions) الصادر عام 1962.
قدم كون مفهوم "الباراديغم" (Paradigm) الذي لقي رواجاً
منقطع النظير. والباراديغم عند كون هو "مجموعة أمثلة معترف بها بأنها عمل
علمي وهي أمثلة تشتمل على قوانين ونظريات وتطبيقات وعدة
(Dispositif) تجريبية تقدم
"نماذج" تولد تقاليد محددة ومتماسكة في البحث العلمي" (Kuhn, 1969, p.
41).
فالعلم العادي يسير في فلك باراديغم سائد، حتى تظهر
الشذوذات (Anomalies) التي لا يستطيع
الباراديغم القائم تفسيرها، فتحدث أزمة تؤدي إلى ثورة علمية وولادة باراديغم جديد.
هذه النقلة من باراديغم إلى آخر لا تخضع للمنطق وحده، وتدخل فيها عوامل اجتماعية
ونفسية كثيرة.
إن الجماعة العلمية عند كون هي التي تحمل الباراديغم
وتعمل وفقه، وهي جماعة من العلماء يتشاركون في مجموعة من القواعد والمعايير. وقد
أثرت أفكار كون تأثيراً عميقاً في علم اجتماع العلوم، إذ فتحت الباب واسعاً أمام
دراسة السياقات الاجتماعية التي تحكم إنتاج المعرفة العلمية، ودفعت الباحثين إلى
التساؤل عن أسباب نجاح السوسيولوجيا لنظرية كون.
البرنامج القوي وما بعده
في سبعينيات القرن العشرين، ظهر في جامعة أدنبره (Edinburgh) ما عرف باسم
"البرنامج القوي" (Strong
Programme) في سوسيولوجيا
المعرفة العلمية، وكان من أبرز رواده ديفيد بلور
(David Bloor) وباري بارنز (Barry Barnes).وهذا البرنامج يقوم على أربعة مبادئ هي: السببية والحيادية
والتناظر والانعكاسية (دوبوا، 2008، ص. 79). فهو يدعو إلى دراسة المعتقدات العلمية
الصحيحة والخاطئة على حد سواء، باحثاً عن الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى تبنيها.
وقد أدى هذا التوجه إلى ظهور دراسات مخبرية (Laboratory
studies) كثيرة، حيث انكب
علماء الاجتماع على دراسة العلماء في مختبراتهم كما يدرس علماء الأنثروبولوجيا
القبائل البدائية. ومن أبرز هذه الدراسات عمل برونو لاتور
(Bruno Latour) وستيف وولغار (Steve Woolgar) في كتابهما
"حياة المختبر: البناء الاجتماعي للوقائع العلمية"
(Laboratory Life:
The Social Construction of Scientific Facts).
فقد خلصا إلى أن الوقائع العلمية لا تكتشف، وإنما "تبنى" من خلال عمليات
التفاوض والتسجيل والتجادل داخل المختبر. إن الواقعة العلمية هي نتاج شبكة معقدة
من الفاعلين البشرين وغير البشرين.
هذا التناول يفتح الباب على مصراعيه أمام النسبية، وهو
ما أثار مجادلات حامية الوطيس حول مكانة العلم وموضوعيته. وقد حاول لاتور نفسه أن
يتجاوز هذا المأزق من خلال تطوير "نظرية الفاعل – الشبكة" (Actor-Network
Theory) التي تسعى إلى تتبع كيفية بناء الشبكات
وتثبيتها.
إن كتاب دوبوا يرسم خريطة ثرية ومعقدة لدروب علم
اجتماع العلوم ومسالكه المتشعبة. فهو يطوف بالقارئ من النظريات المؤسسة الكبرى إلى
الدراسات المجهرية الدقيقة للحياة اليومية في المختبرات العلمية. وهذا السفر يكشف
عن أن العلم، الذي طالما نظر إليه كحصن منيع للعقلانية والموضوعية، هو في الحقيقة
نشاط إنساني بامتياز، لا ينفك عن سياقاته الاجتماعية والثقافية والتاريخية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق