يستفتح بيار بورديو
(Pierre Bourdieu) القول في مصنفه
عن الهيمنة الذكورية بتمحيص النظر في بنية الاجتماع التي أرست دعائمها على تفريق
أزلي بين الذكر والأنثى. ويتجلى هذا النسق للعيان كأنه قائم على طبائع الأشياء
ذاتها ومستقر في صميم الأجساد. يغوص بورديو في غياهب هذا النظام ليكشف عن عمل
التاريخ الدؤوب الذي يطبع في اللاوعي ترسبات بناه التاريخية في هيئة ترسيمات لا
واعية.
يُبين أن العالم الاجتماعي يشيد الجسد الممتثل
اجتماعيا على نحو يوافق مبادئ رؤية أسطورية للعالم. ترسخ هذه الرؤية في الأجساد
فروقات واختلافات تتماهى مع التقسيم الجنسي للعمل. وتتجلى قوة النظام الذكوري في
قدرته على الاستغناء عن التبرير فهو يفرض نفسه كأنه محايد. إن النظام الاجتماعي
برمته يؤسس على المصادفة التي تتأسس عليها الهيمنة الذكورية. يطرح مثال مجتمع
القبائل (Kabyle) في الجزائر شاهدا
على هذا البناء. ففي هذا المجتمع يظهر التقسيم بين الجنسين كأنه نظام طبيعي ومنطقي
يمس كل شيء.
إن التقسيمات التي تحكم عالم القبائل تظهر في أزواج من
المتعارضات مثل فوق تحت وخارج داخل وجاف رطب. وكل هذه التقابلات تنظم الفضاء
والزمان والأنشطة اليومية. يظهر هذا النسق في تنظيم البيت القبيلي فالقسم المخصص
للرجال مضيء ومشرف ومعاكس للقسم المخصص للنساء والأطفال والحيوانات وهو مظلم ورطب.
يقول بورديو "إن قوة النظام الذكوري تترامى فيه أمراً يستغني عن التبرير ذلك
أن الرؤية مركزية الذكورة تفرض نفسها كأنها محايدة وإنها ليست بحاجة إلى أن تعلن
عن نفسها في خطاب يهدف إلى شرعنتها" (بورديو، 2009، ص 27).
تترسخ هذه الهيمنة عبر ما يدعوه بورديو العنف الرمزي.
هو عنف لطيف غير محسوس وينال قبولاً من الذين يقع عليهم. فالمرأة في مجتمع القبائل
تتبنى هذه الرؤية للعالم وتنظر إلى نفسها من خلال التصنيفات التي أعدها الرجل.
وهذا الاستدماج للهيمنة يجعل النظام الاجتماعي يبدو كأنه أمر طبيعي وأزلي. إن
الجسد الأنثوي نفسه يبنى بوصفه كائنا مدركاً ومصمماً على أن يكون تابعا. ويظهر ذلك
في هيئة الجسد وفي طريقة المشي والنظر.
تستند هذه الرؤية الأنثوية للرؤية الذكورية على بنية
اجتماعية عميقة. تقول فيرجينيا وولف (Virginia Woolf) في روايتها غرفة
تخص المرء وحده (A Room of One's
Own) إن النساء يخدمن
لقرون طويلة كـ "مرايا تملك قدرة سحرية ولذيذة على عكس صورة الرجل بحجم مضاعف
عن حجمه الطبيعي". تستخدم المرأة هذه الرؤية في تعاملها مع جسدها. فهي تسعى
إلى أن تكون موضوعا للرغبة الذكورية.
يؤدي هذا الاستدماج العميق للبنى الاجتماعية إلى ما
يسميه بورديو بالهابتوس (Habitus) وهو
نسق من الاستعدادات المكتسبة التي توجه أفعال الأفراد وتصوراتهم. يصبح الهابتوس
طبيعة ثانية. وهو ما يفسر كيف أن الهيمنة الذكورية تستمر وتُعاد إنتاجها دون
الحاجة إلى قسر ظاهر أو إكراه بيّن. فالنساء والرجال على السواء يسهمون في إعادة
إنتاج هذا النظام من خلال ممارساتهم اليومية التي تبدو لهم طبيعية ومنطقية. إن
الجسد هو مستودع للتاريخ المنسي. وهو يحمل في طياته آثار البنى الاجتماعية التي
شكلته.
يقع استدماج الهيمنة في صلب ما يسميه بورديو العنف
الرمزي. وهو ذلك العنف الذي يمارس على فاعل اجتماعي بموافقته وتواطئه. فالهيمنة
الذكورية لا تفرض نفسها بالقوة المادية وحدها. إنها تمارس فعلها من خلال الإقناع
الصامت للبنى المتجذرة في الأجساد وفي العقول. فيصبح الجسد المهيمَن عليه شاهدا
على قبوله بهذه الهيمنة. وينتج عن هذا القبول إحساس بالخضوع والانقياد يظهر كأنه
فطرة وطبيعة.
المرجع المعتمد
بورديو، بيار.
(2009). الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان
قعفراني، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق