يستهل الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور (Bruno Latour) سفره
المعنون "إعادة تجميع الاجتماعي" (Reassembling the Social) بجدل
أصيل يقلب موازين علم الاجتماع المألوفة رأسا على عقب. لقد ألف أهل الاجتماع أن
يقرنوا لفظة "الاجتماعي" بضرب من المادة قائمة بذاتها، عالم منفصل له
قوانينه الخاصة وقواه الخفية التي تسير الفاعلين وتصوغ أفعالهم. يرى لاتور في هذا
المسلك وهما عظيما ومأزقا عويصا أفضى بعلم الاجتماع إلى طريق مسدود. إن كلمة
"اجتماعي" في نظره لا تدل على ماهية ثابتة أو جوهر قار، إنما هي اسم
لحركة وتَحالُف وترجمة بين كيانات متباينة في الأصل. إنها لا تصف شيئا محددا كخروف
أسود بين خراف بيضاء، بل هي نمط من الاتصال والتشابك بين أشياء ليست هي في ذاتها
اجتماعية (Latour, 2005, p. 5).
لقد انبثق عن هذا الفهم ضربان من علم الاجتماع، لكل منهما وجهته
ومسلكه. أحدهما، وهو الذي ساد دهرا طويلا، يفترض وجود كيان شامل يسمى المجتمع،
يحيط بالفاعلين ويعمل كخلفية أو سياق لأفعالهم. في هذا المضمار، يغدو الفاعلون
مجرد مخبرين أو دُمى تحركها خيوط القوى الاجتماعية الخفية التي لا يراها سوى عالم
الاجتماع الفطن. أما الضرب الآخر، وهو الذي يدعو إليه لاتور ويفصل فيه القول،
فيقترح دربا مغايرا تماما، دربا شاقا يقتضي من الباَحِث أن يقتفي أثر الفاعلين
أنفسهم في غدوهم ورواحهم دون أن يفترض مسبقا وجود مَقام يعلوهم أو بنية تحتضنهم.
في هذا الدرب الجديد، لا يعود الاجتماعي مادة صماء أو مجالا مغلقا، بل يصبح مسارا
من الترابطات التي تتشكل وتتغير باستمرار.
يجد لاتور جذور رؤيته في فكر الفيلسوف غابرييل تارد (Gabriel Tarde)، الذي
نازل في زمانه إميل دوركهايم (Émile Durkheim) وغلبه
الأخير. لقد نادى تارد بأن الاجتماعي ليس حكرا على البشر، وأن كل شيء في الوجود هو
مجتمع. يقول تارد في عبارة تكشف عن عمق بصيرته:
"ولكن هذا
يعني أن كل شيء هو مجتمع وأن كل الأشياء هي مجتمعات. ومن اللافت للنظر أن العلم،
بتسلسل منطقي لحركاته السابقة، يميل إلى تعميم فكرة المجتمع بشكل غريب. إنه يتحدث
عن مجتمعات خلوية، فلماذا لا تكون هناك مجتمعات ذرية؟ ناهيك عن مجتمعات النجوم،
والأنظمة الشمسية. يبدو أن كل العلوم محكوم عليها بأن تصبح فروعا لعلم الاجتماع" (Latour, 2005, p. 14).
تلك الرؤية التاردية هي المنطلق الذي يبني عليه لاتور صرح نظريته. إن
مهمة عالم الاجتماع، وفقا لهذا المنظور، ليست الكشف عن "المجتمع" الخفي،
بل تتبع المسارات الدقيقة التي من خلالها تتجمع الكيانات المختلفة، بشرية كانت أم
غير بشرية، لتشكل تجمعات مؤقتة وهشة. هذا التتبع هو ما يسميه لاتور "علم
اجتماع الترابطات" (sociology of associations).
عندما نشرع في هذا التتبع، سرعان ما نكتشف أن الفعل الإنساني ليس
صافيا ولا بسيطا. إنه دوما فعل مُستولى عليه، فعل يتقاسمه العديد من المشاركين.
فالفاعل البشري لا يتحرك بمفرده في فراغ. إن الأفعال تُقترض وتُوزع وتُترجم عبر
شبكة واسعة من الكيانات الأخرى. يقول لاتور إن كلمة "فاعل" (actor) نفسها
تشير إلى أن الأمر ليس واضحا أبدا بشأن من وماذا يفعل حين نفعل نحن، تماما كما أن
الممثل على خشبة المسرح لا يكون وحيدا أبدا في أدائه (Latour, 2005, p. 46). إن كل
فعل هو عقدة معقدة، تتقاطع فيها إرادات ودوافع وأشياء لا حصر لها.
هنا يكمن أحد أكثر جوانب فكر لاتور إثارة للدهشة، وهو إصراره على أن
الأشياء لها فاعلية. إن المطرقة التي تدق المسمار، ومُبطئ السرعة الذي يجبر السائق
على التمهل، والقفل الذي يحمي الدار، كلها فواعل تشارك في صياغة مسار الفعل. هذه
الكيانات غير البشرية ليست مجرد أدوات خاملة في أيدي البشر، بل هي مشاركة فعالة
تمنح الترابطات الاجتماعية ديمومتها وصلابتها. إن قوة علاقة اجتماعية لا تنبع من
طبيعتها "الاجتماعية" الخالصة، التي هي في الأصل هشة وعابرة، بل من
قدرتها على حشد جيش من الحلفاء غير البشريين الذين يثبتونها ويوسعون نطاقها. من
دون هذه الأشياء، ستذوي الروابط الاجتماعية وتتلاشى بسرعة.
إن إدخال غير البشر في صلب التحليل الاجتماعي يغير من طبيعة علم
الاجتماع نفسه. فلا يعود بوسعنا أن نفصل بين عالم "اجتماعي" رمزي وعالم
"مادي" موضوعي. لقد أدى هذا الفصل المصطنع إلى إفقار فهمنا للواقع،
وجعلنا عاجزين عن رؤية الكيفية التي تتشكل بها التجمعات من خلال نسج البشر وغير
البشر في نسيج واحد متصل. إن المهمة التي يطرحها لاتور هي مهمة شاقة ومضنية. إنها
تتطلب من الباحث أن يتخلى عن القفزات السريعة نحو التفسيرات الجاهزة والسياقات
الشاملة، وأن ينزل إلى مستوى الأرض ليتبع بصبر وأناة الخيوط الدقيقة التي ينسجها
الفاعلون، بشرا كانوا أم أشياء. إنها دعوة إلى "علم اجتماع بطيء" (slowciology)، علم
اجتماع يجد متعته في تتبع المسارات المتعرجة للترابطات بدلا من رسم خرائط وهمية
لعوالم غير موجودة.
وهكذا، فإن "إعادة تجميع الاجتماعي" ليس مجرد دعوة لإضافة
الأشياء إلى قائمة الفاعلين الاجتماعيين. إنه مشروع أعمق وأشمل يهدف إلى تفكيك
ثنائيات قديمة مثل الطبيعة والمجتمع، والفاعل والبنية، والمحلي والعالمي. إنه
محاولة لرسم طوبوغرافيا جديدة للوجود، طوبوغرافيا مسطحة لا توجد فيها مستويات عليا
وأخرى دنيا، بل فقط شبكات من المواقع المتصلة عبر قنوات ووسائط متنوعة. إنها رؤية
تجعل من الاجتماعي نتيجة لا منطلقا، أثرا لا سببا، رحلة مستمرة من التجميع
والترجمة لا وطنا قارا ومستقرا.
- Latour,
B. (2005). Reassembling the Social: An Introduction to
Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق